عـلاقـة الفـني بالديـني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عـلاقـة الفـني بالديـني

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الأربعاء 12 ديسمبر 2012, 15:51

عبد الحي مشعل بلكاوي
12-12-2012 الساعة : 20:23
http://hibapress.com/details-34513.html


لا شك أن ثمة إشكالا يروج في الذهن بخصوص العلاقة بين الفن والدين، وإن كانت تمت علاقة فما هو نوعها ؟ هل هي علاقة تنافرية صدامية؟ أم هي علاقة حميمية توافقية ؟ وإن كانت هناك من صلة مستقيمة بين الفن والدين فما هي يا ترى الحدود التي يضعها الدين؟ وهذه الحدود هل هي قيود وأغلال من شأنها أن تعطل الفن، أم هي حارسة لكل فنان يريد أن يعلوا بنفسه وفنه من الوقوع في التبذل والاتساخ؟ وهل الحرية الفنية تعني حتما مجافاة الدين وتصادم حقيقته ؟ أم أن الأمر مناف لذلك ؟ وما هي غاية الفن ؟ وهل له ارتباط بغاية الدين ؟ وإذا كان الإحساس الذي ينقله الدين إلى نفس الإنسان هو إحساس أخلاقي، فما هو إذن الإحساس الذي ينقله الفن ؟ وهذا الإحساس هل يخدم الجانبين معا ؟ أم أنه في صالح طرف دون الآخر ؟...

أسئلة كثيرة تطرح في الموضوع، وأسئلة أخرى يمكن أن تتفرع عنها، ولا شك أنها مقلقة إلى حد كبير خاصة وإن لم يكن لديها جواب شاف كاف..

وعليه فإن الدراسة في هذا الموضوع الدقيق، لا بد أن تكون علمية و منهجية والمفاهيم فيها محددة بينة، ولذلك فإن المفهوم الفني الذي نعنيه هنا، ليس ذلك المفهوم الذي يجعل من الفن عملا يدعوا إلى الانحلال والرذيلة ،وليس ذلك المفهوم الذي يجعل من الفنان المتصف به محل شبهة وريبة ويوضع عليه سؤال كبير... ذلك أنه "إذا استعمل الفن في محال الفساد، فهذا لايعتبر بالمقاييس العلمية فنا ...بل هو عمل هابط لا يمكن نسبته إلى الفن"، بحال من الأحوال، بل ينبغي أن نستعين بمفهوم آخر، وهو ذلك المفهوم الذي وصفه الدكتور أحمد شوقي بالعمل الهابط.

فالفن الراقي ليس ذلك الذي يثير في النفس أمر المشاعر وأعنفها، ولكنه ذلك الذي يثير فيها أكرم المشاعر وأنبلها" ، وتأتي هذه الوقفة كجواب عن الماهية الفنية، خاصة وأنه قد اضطربت المفاهيم وتداخلت في بعضها البعض فـ"حين نتحدث عن الفن يتبادر إلى ذهننا الرقص والموسيقى الخليعة والغناء الخليع، فيستحيل على أذهاننا أن نتصور رابطة مابين الإسلام والفن..لا الفن الإسلامي بعيد عن كل هذه الفواحش التي ترتكب باسم الفن .

معلوم أن الإسلام جاء ليؤطر مناحي الحياة، كلها خاصة فيما يتعلق بالإنسان، كونُه مستخلفا في هذه الأرض، وكونُه حاملا للأمانة العظمى التي أشفقت السماوات والأرض والجبال عن حملها وأبينها، قال تعالى :"إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا "

ولذلك كله فطبيعي أن يكون هذا التسخير الذي جعله الله بيد الإنسان خادما له وناظما لسلوكه، معنى ذلك أن كل ما في الكون لا يتعارض ابتداء مع جوهر الدين وغايته، وكل ما في الكون هو عابد لله تعالى: "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" وغاية الفن الصافي هي في جوهرها تلتقي مع غاية الدين، مع أن هناك اختلافا في الأشكال لكن تمت لا محالة تناغم في المضامين كما قال الدكتور العرابي لخضر"ومن هنا كان التقاء الدين بالفن في كونهما وسيلتين لغاية نبيلة مع اختلاف في الأشكال وتناغم في المضامين". فالدين بصفة عامة جاء ليؤطر كل مناحي الحياة، والفن هو جزء من هاته المناحي الكثيرة والمتشعبة، وهو يشكل جبهة قوية في التدافع القيمي الأخلاقي بله الحضاري.

ومن هنا نرى الصلة الوطيدة بين الفن والدين، كون هذه الصلة تخدم الطرفين معا، لتعطي لنا نتيجة طرية يستفيد منها الكائن البشري عامة، فعندما نستخدم الوسائل الفنية في نشر تعاليم الإسلام والتأكيد على قيمه ومبادئه، ويكون للفن هدفا توجيهيا يؤدي دوره في حياة الإنسان ،عندئذ نكون قد وضفنا الفن لخدمة الدين ،وعندما يكون الدين مؤطرا لسلوك الفن ناظما له، نكون قد قمنا بصيانة الفن من الإبتذال، " وتأكيد هذه الصلة المستقيمة بين الفن والدين يخدمهما معا، فنخدم الدين حين نستخدم وسائل الفن وطرائقه في نشر التعاليم الروحية، والمبادئ الأخلاقية والإتجاهات السامية، ونخدم الفن بأن نرتفع به إلى المستوى الذي يتعالى عن الانحطاط وسوء الإستغلال، فيكون ذلك تكريما للفن ومن هنا كان الغرض الفني يخدم كثيرا الغرض الديني فكل من الطرفين يتناول قضايا الإنسان وهمومه في الحياة وتطلعه إلى ما هو أفضل وأجود، كما يراعي الفن كذلك الجانب الفطري الذي قد جبل عليه الإنسان، وعليه فإنه يفهم من هذا " ألا تتعارض بين الفن والدين خصوصا إذا كانت مهمة الدين الدعوة إلى الحق، ومهمة الفن الدعوة إلى الجمال." وهنا بالتحديد لا بد أن تتم الإشارة إلى السؤال العريض الذي طرح آنفا عند التقديم، فإذا علمنا أن الإحساس الذي ينقله الدين هو إحساس أخلاقي فهل الأحاسيس والانطباعات التي يتركها الفن، تصب في نهر الأخلاق أم هي في منأى عن ذلك ؟ وهل عندما نتكلم عن المسألة الأخلاقية في الفن نكون قد وصلنا إلى مفترق الطرق ؟ "لابد أن نقول أنه ليس من مهمة الفن الوعظ و الإرشاد، بل وظيفة الفن إبداع يؤثر في النفس والفكر على حد سواء، ويثير في النفس أنبل المشاعر وأكرمها." ، غير أن هذا الكلام ليس على إطلاقه بل يمكن القول أن وظيفة الفن إلى جانب التأثير في النفس والفكر والمشاعر هناك وظيفة الوعظ والإرشاد، غير أنها تتخذ شكلا آخر غير ذلك الذي ألفناه من الخطباء والوعاظ.. فهو يرسل رسائل عن طريق الإيحاء والحركة والهمسة والتي من شأنها أن تكون لها نتيجة الوعظ والإرشاد، هذا الأمر بالتحديد "هو الذي يحدد نوع الفن، فإذا طالعت أثرا فنيا قصيدة أو قصة أو صورا ، وشعرت بعدئذ أنها حركت مشاعرك العليا،فأنت أمام فن رفيع وبالتالي تكون النتيجة دعوة إلى الأخلاق، فإذا لم تحرك فيك إلا المبتذل من مشاعرك والتافه من تفكيرك فأنت أمام فن رخيص." 6 . وبالتالي تكون النتيجة دعوة إلى هدم الأخلاق والقيم وتفشي الرذيلة والانحلال، وهو الأمر ذاته الذي بات ملحوظا مشاهدا في كثير من القضايا التي باتت تطرح باسم الفن وهو منها براء.

وعليه فإنه ليس هناك أبدا تنافر ولا تخاصم بين الفن والدين، بل العلاقة بينهما قائمة مطردة، ولا يمكن نكرانها ولا حتى إغفالها ذلك أن "الفن الإسلامي بمفهومه العقائدي- لا التاريخي ولا الواقعي - يمثل أوسع نظرة جمالية منفتحة على الإنسان والكون، لأنه يستمد تجاربه الباطنية من الحقيقة لا الزيف، ولا يوجد في قاموسه الفني (العبثية، اللامعقولية، والحرية الفنية، والفن للفن...ونحو ذلك من العبارات التي تنتهي في مدلولها إلى الفوضى والإلحاد." .وتنافي في مضمونها القيم الإخلاقية التي يدعو إليها الدين وتقره الوظيفة الفنية وغايتها، وإلا فسنكون أمام "عمل هابط" كما وصفه الدكتور أحمد شوقي، أو أمام "فن رخيص" .

الهوامش :

1- الإسلام والفنون للدكتور أحمد شوقي الغنجري ص 33.

2-" النظرية الإسلامية في الإعلام والعلاقات الإنسانية" د. زين العابدين الركابي.

3-"الدراسات الفنية المعاصرة للقصة القرآنية" ، دار الغرب للنشر والتوزيع.

4- الدراسة الفنية المعاصرة للقصة القرآنية للدكتور العرابي لخضر ص 296

5- توفيق الحكيم " فن الأدب " ص : 75-96

6- الثقافة الإسلامية والفن في مجال الإعلام " د. التهامي نقرة ص352


_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 58
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى