المهارات التعليمية والتربوية المتعلقة بالتربية الإسلامية وأثرها في تنمية التعلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المهارات التعليمية والتربوية المتعلقة بالتربية الإسلامية وأثرها في تنمية التعلم

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في السبت 10 نوفمبر 2012, 18:25

د. محمد منصف العسري
مفتش تربوي للتعليم الثانوي


إذا كانت التربية الإسلامية بمفهومها العام وبمفهومها الإجرائي تسعى إلى بلوغ كثير من الأهداف التربوية وتحقيق مجموعة من الكفايات؛ فإنها لا تقتصر من ذلك على تزويد المتعلم بالمعارف اللازمة من مفاهيم وحقائق ومبادئ، ولا تقف عند إضافة الاهتمام بالنواحي الوجدانية عنده؛ بل إنها تتعدى ذلك إلى الاشتغال بتزويده أيضا بمختلف مستويات المهارات وأنواعها.

والمهارات تحتل أهمية كبيرة في المجال التربوي مما يتطلب تعميق الوعي بقيمتها؛ لأن امتلاك التلاميذ لها يعينهم على إنجاز الأنشطة التعلمية المطلوبة منهم، بما يكسبهم قدرا هاما من الاستقلالية والقدرة على الإبداع.

ومفهوم المهارات يشير إلى أنها تشمل طريقة الأداء من حيث السهولة والسرعة والدقة، ومعيار الأداء المتميز بالإتقان واقتصاد الجهد والوقت، وكذا نوع الأداء سواء أكان عمليا أو نظريا.

ومن ثمة نستطيع القول إن المهارات المتعلقة بالتربية الإسلامية هي تلك الممارسات التي يقوم بها التلاميذ من خلال دراستهم للمادة بيسر ودقة وإتقان، سواء تعلق الأمر بممارسات عقلية أو عملية أو اجتماعية؛ كما يتبين من الخطاطة الآتية التي سنتبعها بعرض توضيحي لأهم وأبرز المهارات المذكورة فيها وأثرها في تنمية التعلم لدى التلميذ، مع الاكتفاء بالإشارة لبعضها الآخر بإيجاز. علما بأن تقسيم المهارات إلى عقلية وعملية واجتماعية وتقسيم كل منها إلى أنواعه المختلفة؛ إنما يراعى فيه الجانب الغالب على كل مهارة عند تصنيفها ضمن نوع دون الآخر، وإلا فإن بين تلك المهارات تداخلا في كثير من أصنافها بالنظر إليها في الواقع.

ـ أولا : المهارات العقلية :

يعتبر الجانب العقلي لدى التلميذ من أهم ما تهتم به التربية الإسلامية، وتظهر أهمية المهارات العقلية في العملية التعليمية في أن النمو العقلي ينتج عنه القدرة على التركيز والانتباه مع إدراك العلاقات بين الأشياء وكذا فهم المصطلحات وإدراك المفاهيم، ويمكن تصنيف المهارات العقلية ـ كما تبين من الخطاطة ـ إلى ثلاثة أنواع : أحدها مهارات التحصيل، والثاني مهارات التفكير، والثالث مهارات اكتشاف العلاقات.

1 ـ مهارات التحصيل :

وهي تشجع المتعلم على التحصيل العلمي وتساعد على نموه لديه، وبالتأمل في هذا النوع نجده يتكون من مجموعة من المهارات الفرعية؛ وهي متعددة نكتفي بالوقوف على أبرزها بشيء من التفصيل مع الإشارة لبعضها الآخر بإيجاز.

فمن ذلك مهارة حسن الاستماع والإنصات التي تتيح الفرصة للمتعلم لتلقي المعرفة والإفادة مما يلقى إليه من العلم، ليعيه عقله وقلبه فيستطيع العمل به وتبليغه لغيره، كما يشير إلى ذلك قول الله عز وجل : "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الاباب"(سورة الزمر الآية 18)، وكما قيل إن المرء لن يكون محدثا مجيدا حتى يتعود الإصغاء الجيد.

ومن مهارات التحصيل أيضا؛ مهارة القراءة التي تعد من المهارات الأساسية التي تعتمد عليها سائر المهارات الأخرى؛ لأن التلميذ لا يمكنه أن يتعلم بدونها، ونظرا لما للقراءة من أهمية بالغة فقد جاء النص عليها والأمر بها واضحا في القرآن الكريم في قوله تعالى : "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم"(سورة العلق الآيات 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ 5).

ومن أهم ما يساعد على نجاح هذه المهارة أن يجد المتعلم مع القراءة المتعة والفائدة فيتغلغل ما يقرأه في أعماقه، ومما يحقق هذا الغرض أن تنمو القراءة مع المتعلم بشكل مستمر مع التنويع فيها وعدم الاقتصار على كتب ومراجع معينة دون غيرها أو مجال دون غيره(1). كما أن هذه المهارة لا تتحقق إذا وقف المتعلم عند المستوى السطحي للقراءة؛ حيث ينبغي أن يتجاوزه إلى القراءة الوظيفية التي لا تقتصر على قراءة ما هو مكتوب فقط، فتكون القراءة عامة وشاملة لكل ما يدركه المتعلم بما في ذلك ما تقع عليه عينه وتسمعه أذنه(2)، وأن تكون قراءة متدبرة ناقدة.

ومن ذلك أيضا مهارة الكتابة التي أشارت إليها الآية الرابعة من سورة العلق في النص القرآني المذكور آنفا، على أنه قد يتساءل البعض عن علاقة الكتابة بالتحصيل، والجواب عن ذلك يكمن في الوظيفة الهامة التي تؤديها الكتابة في المساعدة على ترسيخ ما يتعلمه التلميذ في ذهنه؛ فتكون بذلك أساسا لكثير من عمليات التعلم الأخرى؛ ومن ثمة تستوجب ـ شأنها شأن القراءة ـ المداومة والاستمرار، ومن أبرز فوائدها أنها تساعد على التوثيق الدقيق للعلم، وقد أشار القرآن إلى فائدة التوثيق بالكتابة في سياق الأمر بكتابة الديون؛ حيث قال تعالى : "ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا"(سورة البقرة الآية 282).

ومهارة الكتابة تحتاج إلى الإلمام ببعض التقنيات للإفادة منها بكيفية جيدة، مما يخلص التلميذ من عادة سيئة تقوم على تدوين كل ما يقوله الأستاذ ومطالبته لذلك بإملاء ملخصات جاهزة. ومن تلك التقنيات التي ينبغي تدريب التلميذ عليها؛ تركيز الانتباه إلى ما يستمع وينصت إليه ليفيد من العلم، وليميز الأساسي المهم من الثانوي الأقل أهمية فيختار الأفكار الأساسية التي تناسب الغرض المقصود من موضوع الدرس ولا يشتغل بتدوين التفاصيل والأفكار الثانوية، مع اكتشاف الروابط التي تشد أقسام الكلام وعناصره بعضها إلى بعض. ولا يتحقق ذلك إلا بدفع التلميذ للتمرن على هذه الطريقة داخل الفصل وخارجه ليتحمل مسؤوليته فيما يكتب، وأن يدرك أن مدرسه لا يسير معه إلا لحدود نصف المطلوب فيعتمد على نفسه ليكمل النصف الآخر(3).

ومما يساعده على بلوغ هذه الغاية تدريبه على طرق تدوين رؤوس الأقلام؛ ومن ذلك :

أ ـ التدوين وفق التبويب العمودي؛ الذي يقوم على تدوين الأفكار على نحو أفقي منظم يظهر فيه تصميم النص إضافة إلى مفاصله الرئيسية وتدرج المعلومات الواردة فيه، مما يحتم استخدام علامات الترتيب كالأعداد لتبويب الأجزاء مع التسطير والتلوين لإبراز الأهم.

ب ـ التدوين بالرسم البياني؛ الذي يقوم على البدء في وسط الصفحة بتدوين الموضوع الرئيسي ثم التوسع نحو أطرافها بتدوين أهم الأفكار المتفرعة عنه، وتوليد فروع جديدة عنها كلما توسعت الأفكار.

ج ـ التدوين على صفحتين متقابلتين؛ وذلك بالجمع بين طريقتي التبويب العمودي والرسم البياني، حيث تطبق الأولى على صفحة اليمين والثانية على صفحة اليسار.

د ـ التدوين في خانات؛ الذي ينبني على تقسيم الصفحة إلى ثلاث خانات عمودية وبأسفلها خانة أفقية، فتخصص الوسطى لتدوين الأفكار الأساسية، وتخصص اليمنى للمعلومات الإضافية، وتخصص اليسرى للملاحظات الشخصية، وتخصص خانة الأسفل لتلخيص الفكرة العامة.

هـ ـ التدوين في جدول؛ وهو يقوم على ترتيب المعلومات المدونة في جدول بالشكل الشائع بحيث يسهل التقاطها وتلخيصها.

و ـ التدوين بجمل موجزة مرقمة؛ وهو ينبني على الاكتفاء بأبرز النقاط وتدوينها جملا قصيرة مع ترقيمها.

ومما يندرج في هذا النوع مهارة الحفظ؛ والحفظ يعد من المهارات العظيمة عند المسلمين، وهو بحق مهارة وليس مجرد نشاط آلي يقوم به المتعلم دون وعي لما يحفظه، ومما تتطلبه مهارة الحفظ؛ التنظيم الجيد للمادة المراد حفظها؛ كأن يبدأ المتعلم بحفظ الأهم فما دونه؛ ذلك أن العلم لا يمكن الإحاطة به جملة واحدة، ومن ثمة فالتنظيم والتدرج يساعدان على تحصيله شيئا فشيئا، وهذا الأمر يقتضي أيضا أن يكون مقدار الحفظ متفقا مع قدرات المتعلم الذاتية حتى يكون يسيرا عليه(5).

وأول ما يركز عليه في مجال الحفظ : النصوص القرآنية ثم الأحاديث النبوية، وبخصوص القرآن الكريم ينبغي توجيه التلاميذ إلى تجزيئ النص القرآني المراد حفظه بعد قراءته كاملا لمحاولة حفظ كل جزء ـ سواء أكان آية كاملة أو بعضا منها ـ ثم إضافة جزء آخر إليه ثم استظهار الكل على أحد زملائه أو غيرهم، مع تعهد ما تم حفظه بالاستذكار حتى لا يتم نسيانه؛ ومن ذلك القراءة ببعضه في الصلوات وقبيل النوم.

وأما فيما يتعلق بمحتويات المادة بصفة عامة؛ فينبغي تحديد النقاط الأساسية في الدرس ووضع خط تحتها ليتم تكرار قراءتها مرتبطة بالموضوع، مع محاولة فهم القواعد والمفاهيم جيدا ثم حفظها، وحفظ الرسوم التوضيحية والخطاطات عن طريق التدرب على إعادة رسمها، وإذا كان الموضوع يتضمن تحليلا طويلا ينبغي تجزيئه إلى وحدات مترابطة لدراستها واحدة بعد أخرى، ثم يتم تتويج ذلك بأن يطرح التلميذ على نفسه أو أن يطرح عليه أحد زملائه أسئلة لاختبار ما تم تحصيله وحفظه.

ونشير هنا إلى أن من مهارات التحصيل أيضا مهارة صياغة السؤال لدى المتعلم؛ لأن السؤال مطلب ضروري لعملية التعلم، كما قال الله تعالى : "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"(سورة النحل الآية 43 وسورة الأنبياء الآية 7)؛ ومن ثمة لابد من تشجيع التلميذ على اتخاذ المبادرة وطرح الأسئلة على الأستاذ؛ لأن السؤال هو مفتاح العلم.

ومنها مهارة الحوار، الذي يساعد المتعلم على فهم المادة التي يتعلمها ويزيد من إقباله على التعلم ومشاركته في بناء تعلماته، على أن يكون الحوار ملتزما لضوابطه وآدابه ليحقق أغراضه في إطار احترام قواعد النظام داخل الفصل، ومن تلك الضوابط والآداب ما حكاه الخطيب البغدادي أنه "ليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدث من لا ينصت لك"(6)

ومنها كذلك مهارة البحث، التي تستوجب من التلميذ أن يكون باحثا عن كل مفيد مطلعا على كل جديد، وأن يثري فكره بشكل مستمر بالاطلاع في غير الكتاب المدرسي وعدم الاكتفاء به وحده؛ لإجراء المقارنات والموازنات وتوسيع مداركه؛ لأن المادة لا تحقق أغراضها بالانحصار في الكتاب المدرسي المقرر، وفي تلك المواقف المحدودة زمانا ومكانا في المؤسسة التعليمية(7).

2 ـ مهارات التفكير :

التفكير دعامة مهمة للمرء حيث يضيء له الطريق ويساعده على فهم ما يدور حوله؛ ومن ثمة كان من أهم المهارات العقلية التي يجب تنميتها لدى المتعلم، وهو يشمل عدة مهارات.

فمن ذلك مهارة التأمل والفهم التي تمثل الأساس للتفكير السليم، وقد جاءت الإشارة إليها في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله سبحانه : "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"(سورة النحل الآية 44)، وقوله تعالى : "أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى"(سورة الروم الآية Cool، وقوله : "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها"(سورة ق الآية 6).
وهذه المهارة تمكن المتعلم من الوقوف بوضوح على ما يريد تعلمه، مما يساعده على ترجمة تعلماته إلى مواقف سلوكية عملية، فيكون لذلك الأثر الكبير في إفادته من العلم الذي يتعلمه. وللأهمية البالغة لمهارة الفهم فقد اعتبرها الدكتور عبد الرحمن المالكي من المهارات التي لا يمكن أن يتطور تفكير المتعلم بدونها وبدون توظيفها والاهتمام بها؛ لاحتياجه لها في جميع العمليات العقلية التي يقوم بها ومساعدتها له لكي يكون مستقلا في تفكيره وليتجنب الوقوع في التقليد الأعمى، فضلا عن مساعدتها على تنمية سائر المهارات الأخرى(Cool.

ومنها مهارة حل المشكلات؛ التي تقوم على الشعور بالمشكل المطروح وجمع المعلومات المتعلقة به مع وضع الفرضيات واختبارها ثم الوصول إلى الحل، وهذه المهارة تساعد على ربط موضوعات المادة بالواقع المعيش ربطا قائما على كون الإسلام حلا لمشكلات الواقع وبناء لكيانه وسدا لحاجاته، وهي بالتالي تمكن المتعلم من القدرة على تحليل المشكلات التي يتعرض لها المجتمع وتساعده على كشف أساليب المعالجة الملائمة لروح العصر وتحدياته مع المحافظة على الثوابت الإسلامية(9).

ومنها مهارة الاستنباط؛ التي تعتبر عملية استدلالية يتم بمقتضاها الوصول إلى نتيجة ضرورية، سواء تعلقت بالأحكام الشرعية أو بالمبادئ والقيم؛ ومن ثمة ينص بعض الباحثين في علوم التربية على أن المقصود بممارسة المتعلم للاستنباط كنشاط تعلمي أن ينطلق من معارف عامة ليصل من خلال تحليلها إلى النتائج المترتبة عنها وهو عكس ما يحدث في الاستقراء، ولما كان العمل العقلي يمثل الأساس في سيرورة الاستنباط فإنه يصعب الاعتماد عليه كثيرا في المستويات الدنيا التي لا يمتلك فيها التلميذ القدرة على العمليات الذهنية اللازمة لذلك(10).

ونحن نرى أن مهارة الاستنباط تبقى ذات أهمية كبيرة في المادة لما تمكنه من استخلاص للأحكام والآداب التي تتضمنها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن توظيفها في هذا الإطار يعتبر متيسرا وممكنا ولو في بعض مستويات التعليم الدنيا نسبيا.

ومنها مهارة الاستقراء، فإذا كان الاستنباط هو اشتقاق الأجزاء من القاعدة العامة فإن الاستقراء هو عمل عقلي يتم عن طريقه استنتاج القاعدة العامة من الجزئيات، وتظهر أهمية الاستقراء بالنظر إلى أنه طريق الوصول إلى الأحكام العامة والقضايا الكلية بواسطة الملاحظة والتتبع لجزئياتها، فهي مهارة تساعد المتعلم على الانتقال من الخاص إلى العام ومن الفرع إلى الأصل ومن الجزء إلى الكل ليقف بصورة شمولية على حقائق ما يتعلمه، كما تمكن من "ربط الحقائق بعضها ببعض للوصول إلى فكرة جديدة أو قانون عام"(11)؛ كأن يناقش الأستاذ التلاميذ في الأمثلة المدونة على السبورة ليصل منها إلى قاعدة عامة، وتوظيف هذه المهارة من أحسن ما يساعد المتعلم على التفكير السليم، ولبساطتها يمكن استعمالها مع صغار التلاميذ(12).
ومنها مهارة الاستدلال؛ وهو يكون بإيراد الدليل من قرآن أو سنة أو قياس أو غير ذلك، فيكون المتعلم قادرا على الاستشهاد بالنصوص الشرعية على حكم مسألة ما، كما يكون بإمكانه الاستدلال بالأدلة العقلية والواقعية على إثبات وتأكيد الحقائق الدينية.

ومنها مهارة النقد؛ التي تعد من أهم المهارات المتعلقة بمادة التربية الإسلامية، حيث تساعد المتعلم على الدراسة الواعية لما يتعلمه بتمحيص حقائقه مهتديا في ذلك بنور الحق المستمد من القرآن والسنة، مع النظر في واقع الحياة وما يجري فيها من أحداث في ضوء السنن الإلهية في الخلق، كما تساعده هذه المهارة على تكوين ملكة عقلية وبصيرة علمية للتمييز بين المفاهيم الأصيلة الصحيحة والمفاهيم الدخيلة، ومن ثمة الابتعاد عن التقليد الأعمى والإمعية، امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا"(13).

ولا تقف هذه المهارة عند تربية المتعلم على نقد ما يتلقاه من علم، بل تعلمه كيف يكون ناقدا موضوعيا تجاه نفسه؛ فهي كما تعني أن لا يكون المتعلم مقلدا لغيره تعني أيضا ذلك الأسلوب من التفكير الذي يحمل صاحبه المسؤولية في جميع ما ينتهي إليه، مما ينمي عنده حس التقويم الذاتي(14).

وذلك يؤهله إلى بلوغ مهارة عليا تتعلق بالإبداع؛ لتمكينها إياه من حسن استخدام ما تعلمه واستعمال مواهبه، ليبتكر ويقدم أعمالا تتسم بالجدة والإبداع بما يتناسب مع تحصيله ومستواه وقدراته.



3 ـ مهارات اكتشاف العلاقات :

وهي تساعد على تحديد خصائص مشتركة بين أمور متفرقة، حيث يتمكن المتعلم من خلالها من الوصول إلى نتائج كان يجهلها، ومن أهم مهارات هذا المجال :

مهارة التجريد التي تعد من المهارات العليا التي تساعد على النضج العقلي، حيث تنتقل بالمتعلم من المحسوس إلى غير المحسوس ومن الفكر المحدد زمانا ومكانا إلى الفكر الأوسع منه. وبهذا فالتجريد ـ كما جاء في معجم علوم التربية ـ عملية ذهنية ينطلق فيها المتعلم من وضعية أو نظام معطى ويستخرج منه ما يمكن أن يكون مماثلا أو مقارنا أو قابلا للتطبيق على وضعيات أخرى، وهو بذلك من عمليات حل المشكلات يهدف لإنتاج معطى له طابع العمومية مثل نظم من الفئات والعلاقات(15).

ويمكن للمتعلم في إطار دراسة موضوعات المادة أن يمارس مهارة التجريد مثلا من خلال إيجاد العلاقة بين دلالات النصوص واستنباط أحكام عامة تدل عليها.

ومما يندرج في هذا الإطار مهارة التحليل؛ التي يتم بها تفكيك معطى كلي بكيفية تحوله إلى عناصر وتبحث عن ترتيب لها وعلاقات بينها قصد تسهيل عملية التعلم(16). وهو من المهارات الموظفة والمعتمدة بشكل ملحوظ في مادة التربية الإسلامية سواء عند تفسير الآيات القرآنية واستخلاص مضامينها أو عند شرح الأحاديث النبوية والوقوف على ما تضمنته من آداب وقيم وأحكام، أو أثناء تفكيك محتويات الدروس إلى عناصها الجزئية...

ومن ذلك مهارة التصنيف؛ التي تعد عملية عقلية قوامها ترتيب مجموعة من الموضوعات أو الظواهر بناء على تشابهها أو اختلافها ضمن فئات في قوائم، بحيث تلتقي خصائصها العامة(17)؛ مما يجلي عند المتعلم معرفة العلاقات التي تربط بينها.

ومما يدل على أهمية استخدام التصنيف كأداة للتمييز بين الفئات المختلفة أن الله تعالى أورده في كتابه العزيز؛ من ذلك على سبيل المثال تصنيفه لفئات الناس بين مؤمن وكافر ومنافق في مطلع سورة البقرة(18)، كما استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم التصنيف حيث فيأ الناس إلى أربعة أصناف : مؤمن يقرأ القرآن، ومؤمن لا يقرأ القرآن، ومنافق يقرأ القرآن، ومنافق لا يقرأ القرآن، مبرزا أن العلاقة التي تربط بين كل صنف هي قراءة القرآن وكون القارئ مؤمنا أو منافقا(19).

ومنها مهارة المقارنة؛ التي تتبين من خلالها سلبيات الشيء أو إيجابياته فيكون المتعلم على بصيرة من أمره، وقد نبه القرآن على هذه المهارة لأجل لاعتبار والتبصر في عدة مواضع منها قوله سبحانه : "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم"(سورة الملك الآية 22).

ومن أهم مزايا المقارنة فيما يتعلق بمادة التربية الإسلامية أنها تفيد في إبراز مزايا النظم الإسلامية على سائر الأنظمة والقوانين الوضعية، بل إنها تفيد أيضا في كشف الجدور المشتركة بين التيارات الهدامة ونحوها...(20).
ـ ثانيا : المهارات العملية :

إن الدراسة النظرية وحدها لا تكون المتعلم بصورة شمولية، والمهارات العقلية رغم أهميتها لا تكفي وحدها لتنمية شخصية المتعلم من جميع جوانبها؛ ومن ثمة يحتاج المتعلم إلى جانب التعلم النظري للتدريب العملي الذي يكسبه خبرة ورصيدا واقعيا من التجربة يسنده في المواقف العملية وييسر له التصرف فيها. وكما بينا في الخطاطة السابقة فإن المهارات العملية تنقسم إلى مهارات عملية عامة لمكونات مادة التربية الإسلامية، ومهارات عملية خاصة ترتبط كل واحدة منها بشكل واضح بأحد مكونات المادة.

1 ـ المهارات العملية العامة :

وهي متعددة وكونها عامة يعني إمكان الإفادة منها واستعمالها في جميع وحدات ومكونات المادة أو جلها لدعم ما يتعلمه التلميذ، مما يسهل عليه استيعاب دروس تلك الوحدات وتمثلها، مع ما يفيده ذلك أيضا من صقل لتلك المهارات وتمحيص فعاليتها.

وهي تتلخص في مجموعة من المهارات من أبرزها :

مهارة استعمال الرسوم الإيضاحية؛ كرسم الخرائط لبيان بعض المواقع عليها مما يساعد على فهم أحداث السيرة النبوية؛ كما هو الشأن في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة ومواقع أبرز الغزوات، وكالاستعانة بها أيضا في دروس الحج لتحديد مواقع الميقات المكاني بالنسبة لسكان البلدان المختلفة، وغير ذلك من أساليب الرسوم التي يستعان بها على توضيح المراد وتقريب المعنى إلى الذهن؛ كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين خط خطا بيده ثم قال : هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال : هذه السبل وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ : "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل"(سورة الأنعام الآية 153)(12).

ومن هذه المهارات أيضا مهارة تقديم النماذج ومهارة جمع العينات واستخدامها؛ لأجل تقريب المعاني الذهنية، مما يساعد المتعلم على الفهم والاقتناع ثم تبليغ ما تعلمه لغيره بسهولة وبكيفية تتناسب مع البيئة التي يعيش فيها؛ ومن الأمثلة التي تندرج في مجال تطبيق هذه المهارة في التراث الفقهي الإسلامي؛ تقديم الإمام مالك للصاع باعتباره نموذجا عمليا محسوسا لتأكيد مقداره وتوجيه غيره إلى أهمية استخدام النماذج في مناقشة المسائل الشرعية(22).

ومنها كذلك مهارة إجراء التجارب؛ التي تعتبر من المهارات العريقة في مبادئ الإسلام وتعاليمه ولعله يكفينا هنا الإشارة إلى ما جاء في القرآن الكريم عن توجيه الله تعالى لرسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام لإجراء تجربة تطبيقية بنفسه للإفادة منها في مجال تساؤله عن كيفية إحياء الله للموتى(23).

وحين يكتسب المتعلم مهارة إجراء التجارب فإنه يصبح قادرا على تجاوز حدود العلم النظري، سيرا على النهج الذي طبقه علماء الإسلام وأدى بهم إلى اكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي منذ عدة قرون. ولعل من أقرب الأمثلة التي يمكن للمتعلم أن يطبق فيها هذه المهارة في مادة التربية الإسلامية؛ توظيفه لها في معرفة أنواع المياه للتفريق بين الماء المطلق وما خالطه شيء طاهر وما خالطه شيء نجس...

بالإضافة إلى مهارة القيام بالأبحاث والدراسات الميدانية؛ التي يوظف من خلالها المحتوى التعليمي الذي تم تعلمه، هذا التوظيف الذي يمكن اعتباره مهارة أخرى تتسع لربط محتويات كل موضوع تتم دراسته بالحياة الواقعية وتطبيقه عمليا فيها، وهو النهج الذي كان يتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليمه لأصحابه؛ ومن ذلك ما كان من توجيهه للشباب الذين أقاموا عنده عشرين ليلة حين رجوعهم إلى أهليهم أن يعلموهم وأن يصلوا كما رأوه يصلي...(24).

2 ـ المهارات العملية الخاصة :

إلى جانب تلك المهارات العامة هناك مهارات تخص بعض وحدات مادة التربية الإسلامية أكثر من غيرها.

فمن ذلك المهارات الخاصة بالقرآن الكريم؛ ذلك أن تدريس القرآن لا يقصد منه معرفة المتعلم لقواعد وآداب التلاوة وتحصيلها نظريا فقط، وإنما يراد منه أن يكون المتعلم قادرا على التلاوة الجيدة وتطبيق قواعدها وآدابها، مع الإفادة من تدبره والتبصر بآياته ليتمثل ما تدل عليه من أحكام وفوائد.

فتشمل مهارات القرآن مهارة التأدب مع كتاب الله تعالى بالطهارة والاستعاذة والتأني والخشوع في قراءته، كما تشير إلى ذلك بعض الآيات القرآنية حيث يقول الله تعالى عن كتابه العزيز : "لا يمسه إلا المطهرون"(سورة الواقعة الآية 79)، ويقول سبحانه : "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"(سورة النحل الآية 98)، ويقول عز وجل : "لا تحرك به لسانك لتعجل به"(سورة القيامة الآية 16).

كما تشمل هذه المهارات مهارة التلاوة والترتيل، امتثالا لقوله تعالى : "ورتل القرآن ترتيلا"(سورة المزمل الآية 4)، والمقصود بهذه المهارة القدرة على التطبيق الجيد للقراءة السليمة المعبرة مع احترام الأداء لمخارج الحروف وتطبيق أحكام التجويد.

وكل ذلك يساعد على إتقان مهارة أخرى تتعلق بتدبر معاني آيات القرآن والاستبصار بها وفهمها، لقوله سبحانه : "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الاباب"(سورة ص الآية 29).

ومن ذلك المهارات المتعلقة بالأحاديث النبوية؛ وأولها مهارة تخريج الأحاديث لما تؤدي إليه من معرفة بصحتها وفق الضوابط والاصطلاحات المعمول بها في هذا الشأن؛ بالرجوع إلى المصنفات التي تروي تلك الأحاديث والتعامل معها من خلال المكتبة المدرسية، مع الاستعانة بالوسائل التقنية الحديثة.

ثم مهارة إلقاء الأحاديث وتبليغها، التي تقتضي معرفة مكانتها واحترامها وتوقيرها؛ فتعطى ما تستحقه من تأن وتوضيح بما يساعد على فهم معانيها ومضامينها، وذلك النهج هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقد روت عنه عائشة رضي الله عنها أنه "كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه"(25)، كما جاء عنها في نفس المعنى قولها : "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم"(26).

والمطلوب من كل ذلك أن يفضي إلى مهارة أخرى تتعلق بتطبيق آداب الأحاديث وأحكامها وقيمها؛ لأن هذا الجانب من أهم ما ينبغي للمتعلم أن يحرص عليه.

ومن ذلك أيضا المهارات الخاصة بمجال الأحكام الفقهية؛ التي تتلخص في مهارتين أساسيتين :

إحداهما مهارة تطبيق الأحكام وتنزيلها على الواقع؛ وذلك من خلال الربط بين الموضوعات الفقهية والواقع المعيش، مع اكتساب مهارة تطبيق الأحكام في العبادات بالتدريب العملي الذي يتيح الفرصة لمعرفة الأخطاء ومعالجتها؛ كما نستفيد ذلك من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للمسيئ في صلاته إلى إعادتها وفق الكيفية المطلوبة(27). بالإضافة إلى اكتساب مهارة تطبيق الأحكام في المعاملات، بما يستوجبه ذلك من ربط للتعلمات الخاصة بهذا المجال بما يدور في المجتمع.

والثانية مهارة تكوين ملكة الاجتهاد؛ ويكون التدرب على اكتساب الملكة الاجتهادية بالتدريج انطلاقا من ربط الأحكام بأدلتها، والتفقه في دلالاتها الشرعية، وكيفية استخلاص الأحكام منها لما يقع للناس في حياتهم من حوادث، بما يتناسب مع المستوى العمري والإدراكي للفئة المستهدفة بالعملية التعليمية.

ومن ذلك المهارات المتعلقة بالعقيدة التي تتلخص في مهارتين أيضا :

الأولى مهارة كشف أبعاد التصرفات الضالة؛ حيث تجعل هذه المهارة المتعلم قادرا على اكتشاف آثار التصرفات المنهي عنها، المفضية إلى بعض المعتقدات الشركية والوقوع في البدع والضلالات؛ ومن ثمة يكون قادرا على الحكم على ما يشاهده في واقعه انطلاقا من دراسته لموضوعات العقيدة الإسلامية.

والثانية مهارة تقويم السلوكات سواء منها القولية أو الفعلية؛ حيث يقتضي ذلك ـ في إطار تصحيح السلوكات القولية ـ اكتساب المتعلم مثلا لعادة استعمال الألفاظ التي تدل على توحيد الله واجتناب الألفاظ الشركية التي يشيع استعمالها عند بعض الناس، مع دعوتهم إلى تركها وبيان أنها من الألفاظ المخالفة للعقيدة الصحيحة. ونفس الأمر ينطبق على الممارسات والسلوكات الفعلية المخالفة للعقيدة أيضا؛ كاتخاذ أداء الصلاة مثلا وسيلة لحصول ثناء الناس على الشخص؛ لأن ذلك من الرياء المخالف لحقيقة التوحيد.

ثالثا : المهارات الاجتماعية :

بالإضافة للمهارات العقلية والمهارات العملية يحتاج المتعلم لاكتساب مهارات اجتماعية تساهم في تأهيله من الجانب الاجتماعي، لكي يكون قادرا على إتقان التعامل مع الناس والتواصل معهم؛ وهو ما تعمل التربية الإسلامية على ترسيخه من خلال امتلاك المتعلم للمهارات الاجتماعية، التي تساعده على تحقيق المقاصد الإسلامية الخاصة بترابط المجتمع وتماسكه في بيئته والمحيط الذي يعيش فيه. ولتحقيق ذلك لابد من تدريب التلميذ على اكتساب مجموعة من المهارات الخاصة بهذا المجال، التي يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع :

النوع الأول يتعلق بمهارات حس التكافل والتعاون الاجتماعي بمفهومه الواسع وممارسته انطلاقا من امتلاكه للمهارات الفرعية الثلاث الآتية :

الأولى مهارة القيام بواجب النصيحة؛ التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين وقوامه والمقصود الأهم منه؛ حيث قال : "الدين النصيحة"(28)؛ وذلك بالتمرس على حسن توظيف أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه النصح للآخرين باعتماد ما تدعو إليه التعاليم الإسلامية المتعلقة باستعمال اللين والموعظة الحسنة، كما قال الله تعالى : "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"(سورة النحل الآية 125).

والثانية مهارة البر بالآخرين والتعود على مساعدتهم؛ ومن ذلك تدريب المتعلم على السعي في إصلاح العلاقات بين المتخاصمين من زملائه وتقوية أواصر المحبة بينهم وبذل الجهد في مساعدة الغير بما أنعم الله عليه من علم أو مال. وبامتلاك المتعلم لهذه المقومات من خلال التربية الإسلامية وتطبيقها في محيط المؤسسة التعليمية يتمكن من ممارستها في الحياة الاجتماعية الخارجية.

والثالثة مهارة العمل الجماعي في إطار فريق متكامل؛ لأن ذلك من التعاون المأمور به في الشرع كما نص عليه القرآن في قوله تعالى : "وتعاونوا على البر والتقوى"(سورة المائدة الآية 2)، ولأن مستوى الإنجاز الذي يحققه المتعلم في المادة لا يقاس فقط بما يمتلكه من معلومات وما يتقنه من مهارات يؤديها بصفة فردية، بل يقاس أيضا بالقدرة على توظيفها من خلال مهارة العمل الجماعي المشترك، التي يعتبر من أهم فوائدها أنها تساعد "على بث روح التعاون المثمر بين المتعلمين وتقوية الأواصر والروابط بينهم، وتساعد المتعلم على الوقوف على جهود وخبرات زملائه"(29).

وأما النوع الثاني فيخص مهارات تنمية العلاقات الاجتماعية التي يمكن تلخيصها في ثلاث مهارات :

الأولى تتجلى في مهارة الانتفاع مما يتعلمه التلاميذ في مجال حسن المعاملة وحسن الخلق، لينالوا حظهم من مدح النبي صلى الله عليه وسلم لمن اتصف بذلك في قوله : "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا"(30). ومما تفيده هذه المهارة حسن التحدث مع الغير والاستماع إليهم مما يساعد على الاندماج معهم ويقوي العلاقات القائمة بهم.

ومما يساهم في ذلك أيضا تمثل مهارة ثانية تتعلق بأدب الاستئذان، الذي يبدأ بالنسبة للمتعلم من خلال استئذان أستاذه ليتمرن بذلك على ممارسة هذه المهارة في محيطه الخاص والعام، مع ما يرتبط بذلك من مهارة إلقاء التحية وإفشاء السلام وتطبيق آدابه؛ لما في ذلك من دعم لأسباب المودة والتسامح ونبذ لأسباب الخصام والكراهية، كما ينبه على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"(31).

والمهارة الثالثة التي تدخل في هذا الإطار الخاص بتنمية العلاقات الاجتماعية هي مهارة الصحبة، التي نستفيدها من قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تصاحب إلا مؤمنا"(32)؛ ذلك أن حسن اختيار الرفقاء الصالحين ومصاحبتهم تمكن المتعلم من اكتساب كثير من الصفات التي تدعو إليها التربية الإسلامية، فتكون الصحبة الصالحة معززة للعلاقة الاجتماعية المطلوبة ومحققة لغاياتها؛ حيث يتمكن المتعلم من الإفادة من رفقة الصالحين الذين يتأثر بهم، خاصة أنه في المراحل الأولى من حياته التي يكون التأثر فيها بالغير أكثر مما يقع فيما بعد.

وأما النوع الثالث فيخص المهارات المتعلقة بالنظام الاجتماعي، وهي تضم مهارتين أساسيتين :

إحداهما وعلى رأسهما مهارة العمل بالنظام وتطبيق المتعلم له في حياته المدرسية التي تنعكس على حياته العامة، مما يجعله فيها أكثر اقتصادا للجهد والوقت، ويعينه على التفاهم والتعاون أكثر مع زملائه ثم مع غيرهم من أفراد مجتمعه، مما يكون لديه القدرة على تحمل المسؤولية التي تسند إليه؛ لأن النظام من المتطلبات الأساسية لكل عمل يرجى له النجاح.

والثانية مهارة أخرى تابعة للأولى ومرتبطة بها لأنها من أهم أسباب تحقيقها؛ وهي مهارة حسن استثمار الوقت والحفاظ عليه واستغلاله فيما يعود على المتعلم بالنفع وتحصيل الفوائد العلمية والعملية، وهي تتطلب من التلميذ تخطيطا مسبقا لحصر الأعمال والأنشطة التي ينبغي القيام بها وترتيبها حسب الأولوية ثم تنظيم وقته في ضوئها، ومما يساعده على حسن استثمار الوقت أن يختار لكل مجال من المجالات العلمية والعملية الوقت الأنسب له؛ فإن من الأوقات ما يصلح للحفظ ومنها ما يصلح للبحث والكتابة ومنها ما يصلح للمراجعة والمذاكرة، وهكذا يختلف الزمن الأنسب حسب اختلاف المهام والأعمال.

وختاما نشير إلى أن تنمية المهارات المذكورة وما يجري مجراها لدى المتعلم سواء منها العقلية أو العملية أو الاجتماعية؛ يتطلب اهتمام المدرس بعناصر التدريس وجميع مكوناته والتركيز من خلالها على إكساب التلميذ تلك المهارات، بغية تمكينه من استمرارية التعلم والاستقلالية والاعتماد على النفس، تحقيقا لكفاءة التعلم الذاتي.
على أنه لابد لبلوغ هذه الغاية من تزويد المؤسسات التعليمية بالوسائل الضرورية وتوفير الإمكانات اللازمة لاكتساب المتعلمين للمهارات التعليمية والتربوية، مع ضرورة انفتاح تلك المؤسسات على محيطها الخارجي مما يساعد على ترسيخ تلك المهارات وتطبيقها بشكل أوسع.
-----------------------------------------------------------------------
الهوامش
(1)انظر مهارات التربية الإسلامية : د. عبد الرحمن بن عبد الله المالكي ـ كتاب الأمة، العدد 106؛ ربيع الأول 1426 هـ أبريل / ماي 2005 م، ط. الأولى، ص 72 ـ 73.
(2)مهارات التربية الإسلامية ص 74.
(3)انظر تدوين رؤوس الأقلام : ندى كفوري خوري ـ سلسة منهجية التعبير "1" ـ دار المشرق، بيروت، لبنان؛ ط. الأولى 1992 م، ص 7 ـ 8.
(4)انظر تدوين رؤوس الأقلام ص 9 ـ 11.
(5)انظر مهارات التربية الإسلامية ص 78 ـ 80.
(6)الفقيه والمتفقه : الخطيب البغدادي ـ تحقيق : عادل العزازي ـ دار ابن الجوزي؛ 1421 هـ، ج 2 ص 67.
(7)انظر مهارات التربية الإسلامية ص 93 ـ 94.
(Coolمهارات التربية الإسلامية ص 100.
(9)انظر مهارات التربية الإسلامية ص 105 ـ 106.
(10) في طرق وتقنيات التعليم ـ من أسس المعرفة إلى أساليب تدريسها ـ : عبد الكريم غريب وآخرون ـ سلسلة علوم التربية "7" ـ الشركة المغربية للطباعة والنشر، الرباط، المغرب؛ 1992 م، ص 164.
(11) معجم علوم التربية مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك "1" : عبد اللطيف الفاربي وآخرون ـ سلسلة علوم التربية "9 ـ 10" ـ دار الخطابي؛ ط. الأولى 1994 م، ص 164.
(12) انظر روح التربية والتعليم : محمد عطية الأبراشي ـ دار الفكر العربي، القاهرة؛ 1413 هـ 1993 م، ص 246.
(13) أخرجه الترمذي في سننه ـ مطبعة مصطفى البابي، مصر، ج 4 ص 364.
(14) مهارات التربية الإسلامية ص 115.
(15) معجم علوم التربية ص 7.
(16) انظر معجم علوم التربية ص 17.
(17) انظر معجم علوم التربية ص 41.
(18) جاء هذا التصنيف مفصلا في بداية سورة البقرة من الآية 1 إلى الآية 20.
(19) الحديث الوارد في ذلك أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب فضائل القرآن ـ باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به، رقم الحديث 5059 (انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ـ دار الفكر، ج 9 ص 100).
(20) مهارات التربية الإسلامية ص 127.
(21) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
(22) ذلك أن أبا يوسف سأل مالكا عن الصاع، فقال : خمسة أرطال وثلث، فقال : من أين قلتم ذلك؟ فقال مالك لبعض أصحابه : أحضروا ما عندكم من الصاع، فأتى أهل المدينة أو عامتهم من المهاجرين والأنصار، وتحت كل واحد منهم صاع؛ فقال : هذا صاع ورثته عن أبي عن جدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مالك : هذا الخبر الشائع عندنا أثبت من الحديث، فرجع أبو يوسف إلى قوله ـ انظر ترتيب المدارك : القاضي عياض ـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ج 2 ص 124 ـ 125.
(23) حيث قال تعالى : "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تومن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ياتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم"(سورة البقرة الآية 260).
(24) انظر الحديث بتمامه في صحيح البخاري؛ كتاب أخبار الآحاد ـ باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، رقم الحديث 7246 (صحيح البخاري مع فتح الباري ج 13 ص 231).
(25) أخرجه البخاري في صحيحه؛ كتاب المناقب ـ باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 3567.
(26) أخرجه البخاري؛ المناقب ـ باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 3568.
(27) انظر الحديث الوارد في ذلك عند البخاري في صحيحه؛ كتاب الأذان، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة.
(28) أخرجه مسلم؛ رقم الحديث 55، وأبو داود؛ رقم 4944، وأحمد في مسنده عن تميم الداري.
(29) مهارات التربية الإسلامية ص 175.
(30) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها؛ الحديث رقم 3559 و3759، ومسلم في صحيحه؛ رقم 2321، والترمذي؛ رقم 1976.
(31) أخرجه مسلم؛ رقم الحديث 54، وأبو داود؛ رقم 5193، والترمذي؛ رقم 2689.
(32) أخرجه أبو داود؛ رقم الحديث 4832، والترمذي؛ رقم 2395.

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 58
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى