القرآن الكريم ومناهج النقد الحديث

اذهب الى الأسفل

القرآن الكريم ومناهج النقد الحديث

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الثلاثاء 13 نوفمبر 2012, 18:16

الكاتب: الدكتور عبد الرحمان بودرع

1- تطوّر حركة التّفسير :

إنّ ثراءَ العبارة القرآنية و اتّساعَ آفاق النّصّ القرآنيّ لممّا يفتح الباب أمام تعدّد مناهج التّفسير ونقد النّصوص و أدوات بيان الإعجاز .

و لقد تأثرت حركة التّفسير في العصر الحديث بالتطور الاجتماعي و العلمي في أثناء معاينتها للنص القرآني المتجدد ، بل إنّ النّصّ القرآني قد أغنى مناهج النّقد والتّفسير بارتياد آفاق جديدة في الفكر الإنساني ، و هذه الآفاق هي في معظمها من إيحاء النص لا من إملاء المفسِّر .

لقد مر تفسير النص القرآني عبر تاريخ التفسير بمراحل متميزة[1] : أولها البيان العملي لمعاني الآيات وما يعتمد عليه هذا البيان من إيضاح لغوي أو اعتماد على نصوص الحديث و أقوال الصحابة، وثانيها التأويل النظري الذي كان يُعنى في التّفسير بالفكرة العامّة و المعنى الكلّيّ في الآية أو الآيات، مثل الذي نجده في كتب إعجاز القرآن للباقلاّني و الرّمّاني و غيرهما ، و ثالثها مرحلة التّلخيص والتّعليق و التَّكرار و الخُروج عن خُطّة التّفسير بالخلط بين الصّحيح و العليل من الروايات ، كما فعل الخازن في تفسير بعض السور[2] ، أو بالجمع عن السّلف كما فعل السّيوطي في كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" ، و كذلك البيضاوي و النّسفي .

أمّا حركة التّفسير في العصر الحديث فلا يمكن الحديث عنها من دون ذِكر كتابٍ بارز صنّفه جولد تزيهر في "مذاهب التّفسير الإسلامي" تحدث فيه عن التفسير في ضوء التّمدّن الإسلامي، والقضية الكبرى التي عالجها الكتاب هي بيان مدى نجاح المذاهب الدّينيّة في تفسيرها المذهبي و اتّخاذِ النّصّ القرآنيّ سندا على موافقة مبادئها للإسلام، وهي قضية لا تُبِين عن مناهج المفسرين بقدر ما تكشف عن موقف الفرق الإسلامية من النص القرآني، و لكن المؤلّف حاول أن يستنتج أن النّصّ القرآني أخذ من المفسرين أكثر ممّا أعطاهم لأن كلّ تيار حاول جذبَ النّصّ إلى جهته حتّى يوافقَ مبادئَه .

و يظهر أن منهج جولد تزيهر غلب عليه الاتّجاه المذهبي ؛ لأنه كان مَعْنيّاً بقضية المذاهب والفرق و مواقفها إزاء النّصّ القرآنيّ .

و قد تولّى الرّدَّ على جولد تزيهر كثير من الدّارسين الذين بيّنوا أنّ أنّ الصورةَ التي قدّمها هذا المستشرق عن تاريخ التفسير ليست الصورة المثلى بل كانت صورةً شائهةً تهبط بأغلب المناهج المأثورة إلى مستوى التّعصّب المذهبي الممقوت[3] .

ثمّ يأتي بَعد كِتابِ "جولد تزيهر" كتابُ "التّفسير و المُفسِّرون"[4] للأستاذ محمّد حسين الذّهبي، الذي استعرض التّراثَ التّفسيري بمذاهبِه و مناهجِه و طرُقه في التّأليف، ووَصَل إلى الكلام عن ألوان التّفسير في العصر الحديث كاللّون العلميّ و اللّون المذهبيّ واللّون الإلحاديّ و اللّون الأدبيّ والاجتماعيّ ...

قد يُقال : يكادُ يستحيلُ أن نكتبَ تاريخاً مفصّلاً متكاملاً للتّفسير بالمعنى الصّحيح، وذلك لصعوبة تتبُّعِ ما خَلَّفتْه العُهودُ الطّوالُ من الآثارِ ، و صعوبةِ الفحص الدّقيق ؛ فكلّ تصوّر دقيق لحركة التّفسير لا بدّ أن تسبقَه دراسات مستوعِبة للتّراث التّفسيريّ و تكشف عن جوانبِه المختلفة ، و قد يستحيلُ على باحث واحدٍ أن يُلمّ بكلّ ما وُضع من قضايا تفسيرية على طول الزّمان و اتِّساع الأقطارِ ، و هو أمر لا يَنهضُ به إلاّ فريقٌ أو فِرقٌ من الباحثين المُسَلَّحين بعلوم التّفسير و أدواتِه و آلاتِه ، فضلاً عن علوم الآلَة الحديثة التي تُسمّى اليوم بالعُلومِ الإنسانيّة ...

و على الرّغم من استحالة كتابة هذ التّاريخ المفصَّل لِما أُنجز في التّفسير فإنّه لا ينبغي بحالٍ من الأحوالِ أن نقول مثلَما قالَ الأستاذ محمّد حسين الذّهبي إنّ الأوائلَ لم يتركوا للأواخِر كبيرَ جهدٍ في تفسير كتابِ الله و الكشف عن معانيه ومراميه .

صحيح أنّ المفسِّرين السّابقين قد وفّوا كثيرا من الدّراسات حقَّها من البحث والتّحقيق مثل الجانِب اللّغوي و الجانب البلاغي و الجانب النّحويّ و الجانب الأدبيّ و الجانب الفقهيّ و الجانب المذهبيّ و الجانب الكلاميّ و الفلسفيّ . و لكنّ هذه الجوانبَ كلَّها لم تسدّ الأبواب أمام مناهجَ و طرقٍ أخرى مُستحدَثةٍ يمكن أن يكونَ لها نصيبٌ من إثراء خُطّة التّفسير . و لا نستطيع أن نقولَ إنّ أثر النّهضة الحديثة في التّفسير يقتصرُ على العمل على التّخلّص ممّا حفلت به كتب التّفسير من الاستطرادات و الزّيادات التي حشرت فيها ومُزِجت بها على غير ضرورةٍ لازمة ، و لا يقتصر أثر التّجديد في التّفسير على تنقيتِه ممّا علِق به من القَصص الإسرائيليّ و الحشو ، و لكنّ النّصّ القرآني مفتوح أمام المناهج الأدبية و اللّسانية و النّقدية الحديثة التي يمكن أن تكشف عن مراميه الدّقيقة وأهدافِه السّامية، و مفتوح أمام ما جدّ من نظريات علمية صحيحة و طرائق نقدية يمكن أن تؤسس لتفسير حضاري يكشف الروابط بين معاني الآيات و روح العصر و سنن الاجتماع ونُظُم العمران .

و ليس التّجديد في خطّة التّفسير ابتداعا و أمرا مُحدَثا على غير قياس ، فقد سبق للمجتمع الإسلامي قديما أن وجد نفسَه في مواجهة ثقافة غريبة عنه هي ثقافة اليونان، وانقسم إزاءَها إلى فريقين : فريق الرّفض الصّريح و قد مثّله ابنُ حنبل و الغزالي و ابنُ تيميةَ و غيرُهُم ، و فريق منتفع بالجديد و قد مثّله المعتزلةُ من المتكلِّمين و الفلاسفة الإسلاميّين ؛ حيث استخدموا أداةَ المنطق العقليّ في الوصول إلى صيغة تدفع عن الدّين كلَّ شبهةٍ و تصون للفرد حرية الاختيار ، و اصطنعوا بذلك الثقافةَ اليونانية الوافدة وسيلةً يتوسّلون بها ، و أمّا الفلاسفة فقد كانت طريقتهم محاولة التوفيق بين العقل و الوحي لإثبات أن لا اختلافَ على الحقائق و إن تعدّدت المناهج .

فإذا كان ذوو النزعة الكلامية قد وقفوا من الثقافة اليونانية موقف المنتفع المتوسّل بأدوات جديدة في معالجة قضايا الدّين ، فهل يصلح أن يُقالَ عن طريق القياس إنّ على الثقافة الحديثة أن تَشرَعَ في النّظر في نصوص القرآن الكريم بمقولات جديدة لأنّ المقولات المنهجية و الفكرية السابقة ليست مُعَدَّةً الإعدادَ التّامَّ لتفسير نصوص الوحي في ضوء ما جدّ من علوم العصر ؟

الجواب أنّ الانتفاع بالمناهج الحديثة في معالجة معاني الآيات يحتاج إلى ضوابطَ تعصمُ التّفسيرَ الحديثَ من مزالق الإسقاط و تحميل النّصّ ما لا يحتمل ، و تُمكِّنُ من الانتفاع من الجديد في حلّ مشكلات المجتمع الحديث ، دون التّحرُّج من مجاوزة حرفيّة النّصّ و الرّبط المُوفَّق الدّقيق بين مرمى النّصّ القرآني و بين مشكلات المجتمع العاصر.

ألا يحقُّ أن نقولَ إنّ التفسير علم يُفهَم به كتاب الله المنزّلُ على نبيّه r وتُبيَّنُ به معانيه و تُستخرَج أحكامُه ، و يُستَمَدّ هذا البيان و ذلك الفهمُ من علوم التّفسير المعروفة و علوم الآلة ، مُضافاً إليها ما جدّ من من مناهج العلوم الإنسانية وخاصّةً علم الاجتماع و اللّسانيّات ، فيدخل في التّفسير كلُّ نشاط ثقافيّ يعتمد في تأسيس البيان والفهم و الاستنباط على ما جدّ من معارِف ممّا يتناسَبُ و روحَ النّصّ ولا يُعارِضه، و ممّا يكشف عن زوايا و جوانبَ في النّصّ المفسَّر لم تُوفِّها الأدواتُ السّابقةُ حقَّها من البيان والإيضاح .

و إنّ الاستفادةَ من مناهج العلوم الإنسانية لَمِمّا يوسّع دائرةَ التّفسير و يمدّد أفُقَه ليشملَ ألوانا من مناهج النّظر إلى النّصّ القرآني .

2- النّصّ القرآنيّ كتاب الزّمن كلِّه و المكان كلّه ، و المفسِّر ابنُ عصرِه :

من خصائص النّصّ القرآني أنّه كتاب الزّمن كلّه و المكان كلِّه و البشرية كلِّها؛ فهو ليس بنصّ عصر أو جيل أو مصر ثمّ ينتهي بانتهائه ، و هو غير قابل للتأقيت لأنّه يتضمّن كلماتِ الله الباقيةَ و هدايتَه المستمرّة .

فمن يتناول هذا النص بالقراءة أو الفهم أو التّفسير فلْيتناولْه بهذه الرّوح، و لا ينبغي أن يُخضعَه قسراً لمذهب أو تيار أو منهج ؛ لأن الثقافاتِ و الأفكارَ و المناهجَ عُرضة للتّغيّر و التّطوّر[5] .

فهذه المتغيّراتُ مستجِدّاتٌ لا ينبغي أن نتمحَّلَ لِحملِ النّصّ القرآنيّ عليها ، إنّما نأخذ من المعاني ما ساعدت عليه اللّغةُ و احتملته العبارةُ دون قسرٍ و قبِلَه سَبْقُ النّصّ وسِياقُه .

و لكنّ ذلك لا يُسقِط عن النّاظرِ في النّصّ القرآني و القارئ له و المفسِّر له صفةَ كونِه ابنَ عصرِه و بيئتِه ، و أنّ بسطَ الدّين على واقع النّاس لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبارِ قضايا العصر و مشكلاتِ النّاس الذين هم مَحلّ الحكم الشّرعيّ ؛ فما من اجتهاد و ما من أفكارٍ بشريةٍ و مناهجَ تفسيريّةٍ إلاّ و هو وليد عصرِه ، و لا ينبغي الوقوف عنده والدّوران في فَلَكه ؛ لأنّ الاقتصارَ عليه سيعملُ على المحافظةِ عليه في قائمة الاجتهاداتِ و التّفاسيرِ التّاريخيّة .

إنّ المفسِّر للنّصّ القرآنيّ مُطالَب بالبحث في علوم الآلة الجديدة ، و هي العلوم الاجتماعية و الإنسانية ، باعتبارها أدواتٍ ضروريّةً لفهم الواقع و وإدراك أبعاد الإنسان. وهذه الآليات و الأدوات تُقدّم من المعارف و النّتائج ما تُصبح معه ضرورةً شرعيّة .

هذا و إنّ تنزيلَ أحكام الشّريعة المستنبَطة من النّصّ القرآنيّ على واقع النّاس إنّما يُراعى فيها هذا الواقعُ بأعرافِه و تقاليدِه و نُظُمه التي تتفاعل فيما بينها فينشأ عن التّفاعل أسلوبُ المجتمع في الحياة و ثَقافتُه و فكرُه ، فالاجتهادُ في فهم النصّ و الاستنباط منه لتنزيل الأحكام يُراعي هذه الخصوصيات ، فيكون هذا الاجتهاد في فهم النّصّ و استيعاب حقيقته مَبنيّاً على أدب خاصّ و قواعدَ تتناسبُ مع طبيعتِه ، و تُستخدَم فيه وسائطُ آليةٌ للتّحليل و التّصنيف و الرّصد ، قائمة على أسس علمية غير متروكة للتلقائيّة و العفويّة[6] .

إنّ الفهمَ المتجدّدَ للنصّ القرآني ينطلق من فهمٍ للإنسان في واقعه و مِن ضرورةٍ للانخراط الفعلي في هذا الواقع ، مُعايشةً للنّاس و تعامُلاً معهم و وقوفاً على مشاكلِهم الاجتماعيّة و النفسيّة و الاقتصادية و الثّقافية ، هذا الانخراط الفعلي لا غنى عنه لمن يُريد فهم واقع النّاس سواء أكان فقيها مشرّعا أم كان فيلسوفا أو أديبا أو محلّلا اجتماعيا، وأدوات التّعبير عن هذا الانخراط هي مناهج التحليل و التفسير الاجتماعية و الإنسانية؛ وهذه المناهج أو علوم الآلة الجديدة أدواتٌ للرّصد و التّحليل ، تُمكّن من ملاحظة الظّاهرة وإدراك الآليات التي يتحرك بحسبها المجتمع و تُنسج على منوالها العلاقات البشرية، وهذه الأدوات –ومنها علوم الاجتماع و الاقتصاد و الإحصاء و اللّسانيات و التّاريخ- تُساعد على الكشف عن آليات الواقع و ما يشتمل عليه من مركّباتٍ أو أمراض أو عوائق؛ لأنّ الكشف عن آليات الواقع شرط ضروري لتنزيل الدّين من النّصوص إلى واقع الحياة الفردية و الاجتماعية .

و المقصود من هذا التقديم أنّ هناك أدباً لفهم النّصّ الشّرعيّ و أدباً لفهم الواقع البشري ، و أنّ فهمَ الواقع يستلزمُ أدباً يوازي الأدب المستلزَم في فهم الدّين ، و الملاحَظ أنّ المباحثَ السّابقة في التّاريخ لم تولِ لأدبِ فهمِ الواقع و آلياته مثل الذي أولته لأدب فقه الدّين من العناية و الاهتمام ؛ و لكنّ هذا الفقه بُني في البداية و تأسّس على فهم أحوال المسلمين في ذلك العهد و اطبع بطابع البلاد التي نشأ فيها ذلك الفقه ، و من شواهد ذلك ما كان للإمام الشّافعي من مذهب قديم لما كان مقيما بالعراق ، فلمّا انتقل إلى مصر بنى مذهبا مخالفا .

3- الخِطاب القرآني و المناهج الاجتماعية :

إنّ الصّلةَ بين النّصّ القرآني و الإصلاح الاجتماعي قديمة قِدَمَ القرآن في النّاس، والمفسّر المُحْدثُ المحمّل بالمناهج الاجتماعية و أدوات نقد النّصوص أكثرُ تنبُّها إلى مجتمعه خلال تفسيره أو نظرِه في القرآن الكريم، من مفسّري النّصوص في الدّيانات الأخرى التي تجعل أصحابَها أميلَ إلى الانطواء و العزلة و التّأمّل و أبعدَ عن قضايا مجتمعاتهم. و قد شُغل كثير من المفسّرين الاجتماعيّين المحدثين، للنّصّ القرآني في صلتِه بالمجتمع، بقضايا معينة مثل التّمدّن و المُعاصرة و الحداثة، و قضايا السّياسة والحكم، وقضية الإصلاح الاجتماعي، و مبادرات التّنمية البشرية أو التّنميّة على المواطنة أو التّنمية الاجتماعية .

ولكن علم الاجتماع في صياغته الغربية لا يصلح أن يُستفاد منه في فهم نصوص القرآن الكريم إلاّ إذا خضع لتعديلات كثيرة تمَسّ المنهج و الرؤيةَ و المقاصد ؛ لأن علم الاجتماع، و كذلك العلوم الاجتماعية و الإنسانية الأخرى، مرتبطة ارتباطا أساسيا بالنّشأة الحديثة لهذه العلوم و بالتّكوين العلمي و الفكري لرواد هذه العلوم ؛ لأنّ هذه العلوم عبارة عن معلومات منظّمة ومنسّقة وفقا للمعتقدات و الأفكار الاجتماعية ؛ فقد نسق الباحثون الغربيون علومهم الإنسانية و الاجتماعية تحت ضغط حاجاتهم الفكرية و العلمية، فجاءت هذه العلوم محمّلةً بتصوراتهم ومبادئهم[7] و مشبعةً بعقائدهم و مذاهبهم و فلسفاتهم، المبثوثة داخل الأبحاث النظرية والتطبيقية .

و أهمّ مبادئ التّصوّر الغربي لعلم الاجتماع هو التّمرّد على الدّين[8] ، و الاعتماد على مبدأ المادّية أو الحسّيّة في التّفكير و التّصور و الإدراك .

و بناء على ذلك ، فإن نظريات علم الاجتماع -بما عليه من صياغة غربية- ذاتُ مادّة علميّة ناقصة ؛ لاعتمادها على عالَم المحسوسات و إنكارها لعالَم الغيب ، و لأنّها إجابات لأسئلة غربية بحتة .

أما إذا أردنا أن نتصور علم اجتماع بصياغة إسلامية ؛ فإنّ علينا :

- أن نبدأ من المحور الأساس في هذه الصّياغة ، و هو العقيدة أو نظرة الإسلام إلى الكون و الحياة و الإنسان ، و المصدر الرّئيس لعلم الاجتماع في صياغته الإسلامية هو القرآن و السّنّة ؛ لأنه يدرس العلاقات الاجتماعية، علاقات البشر بالبشر ، و لا بدّ أن تكون هذه الدّراسة للعلاقات الاجتماعية في ظلّ الوحي الذي يعصم من الوقوع في شطط المتاهات و ينظم العلاقات بين الأفراد بناءً على إحلال الحلال و تحريم الحرام . و بناء على مبدإ التّكامل في العلاقات كالتّكامل في علاقة الرجل بالمرأة ، خلافا لعلم الاجتماع الغربي الذي يذهب إلى مبدإ المساواة المطلَقة بينهما ، فترتّب عن هذه النّظرة عواقب وخيمة تتعلّق بتربية الأولاد و رعاية كبارِ السّنّ و و ما يُعانون من إهمال و حرمانٍ[9] .



- و إذا كان علم الاجتماع ذو القوانين الوضعية يهدف إلى معرفةِ الظواهر الاجتماعية معرفةً علميّة بقصد التّحكّم في المجتمع و تنظيمِه و سَنّ القوانين المناسبة ؛ فإن علم الاجتماع في صياغته الإسلامية يقف عند أحكام الشريعة التي تنظم العلاقات داخل المجتمع الإسلامي ، لقولِه تعالى : «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»[10] .

فعلاقة علم الاجتماع بالوحي تكوِّن الأساسَ العقديّ لنظرة الإنسان إلى الكون والحياة و ما وراءَهما ، و تؤثّر في نظرة علم الاجتماع إلى الواقع الاجتماعي ، كأن يُثبتَ عالِم الاجتماع أنّ هلاكَ الأمم لا يقع إلا بأسباب موضوعية كالظّلم « وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ و أهْلُها مُصْلِحونَ »[11] ، وجُحودِ النِّعْمة : « وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعيشَتَها »[12] ، و غيرِ ذلك من المفاسد الاعتقاديّة و الاجتماعيّة التي انتشرَت في أقوام الأنبياء السّابقين[13] ، و أنْ يضعَ حدّاً فاصلاً بَين الوَحي الإلهي و الفكر البشريّ .

4- الخِطاب القرآني و فَلسفة التّاريخ :

هناك نظريات متعدّدة في إطار فلسفة التّاريخ وُضِعت لتفسير التّاريخ البشري، منها ما يَصلُح أن يُستَعان به في فهم بعض نصوص القرآن الكريم و تفسيرِها ، و منها ما لا يصلُح . و من بين ما يُمكن استعراضه من نظريات في تفسير التاريخ نظرية "أرنولد توينبي" في التّفسير الحضاري للتّاريخ ، التي تتحدّث عن مبدإ التّحدّي و الاستجابة ومسألة الحدّ والوسط ، و أن السهولة البالغة للبيئة لا تستثير تحدّيا و من ثَمّ لا تُنشئ حضارةً، بينما الصّعوبة تجعل الاستجابة في حالة استحالةٍ و تَحول دون نشوء الحضارة، أمّا الحدّ الوسط الذي تتوازن فيه المصاعب و التّيسيرات فهو الذي يشكّل نواةَ الاستجابة و يفتح المجالَ للتّحقُّق الحضاريّ عبر التّاريخ[14] . الحدُّ الوسط يدلّ عليه قولُه تعالى : «إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»[15] ، و قولُه تعالى : «و لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِه لَبَغَوْا في الأرْضِ ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مّا يَشاءُ، إنّه بِعِبادِه خَبيرٌ بَصيرٌ»[16] ، و يُذكِّرُ بالآياتِ الخاصّةِ بتذليلِ الأرضِ للإنسانِ من أجلِ العُمْرانِ ، و بآياتِ التَّسخيرِ ، و آياتِ التّنقيبِ في الأرضِ لاستخراجِ الخيراتِ و النّظرِ في السّماءِ لإدراكِ السّنن و النّواميس ، و آياتِ تجنّب التّرفِ لأنّه يمنح الاسترخاءَ و التّيسيرَ المبتذَل و يفتُّ في العضُد و العزيمة و يقود إلى تفكُّك الحضارة .

و تتحدّث نظرية توينبي عن التّقليد و أثرِه في بناء الحضارات ، فتشير إلى نمطين من التّقليد : تقليد الأغلبيّة للنّخبة المُبدعة ، و تقليدٌ أعمى للآباء و الأجداد، فأمّا التقليد الأوّل فإنّه يحقّق نقلاً و نشرا للقيم الإيجابيّة في كافّة مناحي الحياة، وأمّا التّقليد الثّاني فإنّه يُعرقل حركةَ النّموّ الحضاريّ و يميل بالمجتمع إلى السّكون . و لقد ذمّ كتابُ الله التّقليدَ السّيّءَ الذي يقود الأغلبيّةَ إلى الاختباءِ وراءَ شعاراتِ الآباءِ و الأجداد ضدّ كلّ دعوةٍ جديدةٍ يحملها نبيّ أو رسولٌ :

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ »[17] ، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ»[18]، «وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ »[19] ، «ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ»[20]، «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»[21]، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»[22] .

فالخِطابُ القرآني يُدينُ هذِه المواقفَ السّاكنةَ التي كانت من أشدّ عوامل العَداء ضدّ الرّسالات السّماويّة ، و يدعو إلى اتّخاذ موقف متحرّر من سائر الضّغوط التي يمارِسها الإلف و العادة .

هذا , إن النّظريات الاجتماعيّة و إن تعارضت مع المنظور الإسلامي فإنها قد تلتقي معه في مواضع كثيرة ، ويأتي هذا اللقاء و التّشابه تأكيد المصداقيّة المنظور القرآني وقدرته على الكشف المبكِّر ، باعتباره صادرا عن الله سبحانه و تعالى ذي العلم المطلَق والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السّماء . و معنى ذلك أنّ الخبرةَ البشرية في أنشطتها الوضعية ليست كلُّها شراً و ليست نسيجا من الأخطاء الذي قد يتخلّلها صواب ولكنّها محاولة للكشف قد تصل و قد لا تصل ، و هي عندما تصل فإنها تمنح العقل البشريَّ إضاءةً جديدةً للمسيرة التّاريخيّة و البناء الحضاريّ ، عَبّر عنها القرآن الكريم بقولِه: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»[23] .

و هكذا يُمكن أن يُستَفادَ من النّظرياتِ الاجتماعيّة التي اكتسبت حظّاً كبيرا من الواقعيّة و الشّمول ، في قراءة آياتِ المجتمع و التّاريخ و سنن التّطوّر البشري ، ولكن لا تتمّ تلك الاستفادة إلا في ظلّ بُعدٍ رئيس في مجالِ فقه النّصوص و هو أهمّيّة استحضارِ عظَمةِ مصدر النّصّ القرآنيّ أو مُنْزِلِه و هو الله سُبحانَه و تعالى ، أثناءَ التّعامُلِ مع النّصّ لاستنباط الأحكام و بيان المراد ، و ذلك لأن استشعارَ عظمةِ الخالِق أمر يميّز النّصّ القرآني عن كلامِ النّاس ، مَصدراً من الخالق و عصمةً من الخطإ و استشعارا للمسؤولية وإتقانا للعمل[24] .

5- الخِطابُ القرآنيّ و اللّسانيّات:

يُمكن أن تُسهمَ المناهج اللّسانية الحديثة في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نتج به أوّل مرّة ، يمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية و الصرفية و المعجمية و البلاغية ، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم و مقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية و معنوية ، و يضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال و الزمان و المكان والمتكلم والمخاطب .

و لا شكّ أنّ المنهج السياقي بِبُعديه : البعد اللغوي الدّاخلي و البعد المقامي الخارجي ، يقدّ بين يدي فهم النّصّ الشّرعي نَسَقا من العناصر التي تقوّي طريق فهمه وتفسيره و الاستنباط منه ؛ لأن العلم بخلفيات النصوص و بالأسباب التي تكمن وراء نزولها أو ورودها يُورِث العلمَ بالمسبَّبات ، و ينفي الاحتمالات و الظّنون غيرَ المُرادة، ويقطع الطّريق على المقاصد المغرضة التي لم يُرِدها الشّارع الحكيم و لم يَرُمْها، ويُصحّح ما اعوجّ من أساليب التّطبيق ، كاقتطاع النّصّ من سياقه و الاستدلال به معزولا عن محيطه الذي نزل فيه ، هذه الأساليب التي أخرَجت النّصوص عن مقاصدها العليا ودفعت بها إلى وجوه من المعاني و الاستنباطات البعيدة التي ظاهرها حقّ و باطنها باطل وجَور.

* تعريف السّياق :

السّياق إطار عامّ تنتظم فيه عناصر النّصّ و وحداته اللّغويّة، ومقياس تتّصل بوَساطَتِه الجُمل فيما بينها و تترابط ، و بيئة لغوية و تداوليّة ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النّصّ للقارئ .

و يضبط السّياق حركات الإحالة بين عناصر النّصّ ، فلا يُفهَم معنى كلمة أو جملة إلا بوصلِها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السّياق .

و كثيرا ما يَرد الشّبه بين الجُمل و العبارات مع بعض الفوارق التي تميز بينها، ولا نستطيع تفسيرَ تلك الفوارق إلا بالرّجوع إلى السّياق اللّغويّ و لحظِ الفوارق الدّقيقة التي طرأت بين الجمل . فكلّ مَساقٍ للألفاظ يجرّ ضربا من المعنى بجزئياته و تفاصيله.

و السّياق الصّورة الكلّيّة التي تنتظم الصور الجزئيّةَ ، و لا يُفهَم كلّ جزء إلا في موقعه من «الكلّ» ، و قد أثبت العلم أنّ الصّورةَ الكلّيّة تتكوّن من مجموعة كبيرة من النّقاط الصغيرة أو المتشابهة أو المتباينة ، التي تدخل كلها في تركيب الصورة .

هذا و إنّ التّحليل بالسياق يُعدّ وسيلةً من بين وسائل تصنيف المدلولات[25]، لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه و دفع المعاني غير المرادة. لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه و دفع المعاني غير المُرادة. وللسّياق أنواع كثيرة منها[26] :

- السّياق المَكاني و يعني سياق الآية أو الآيات داخل السّورة و موقعها بين السّابق من الآيات و اللاحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها بين السّابق من الآيات و اللاّحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة، و سياق الجملة في موقعها من الآية، فيجب أن تُربَط الآية بالسّياق الذي وردت فيه ، و لا تُقطَع عمّا قبلها و ما بعدها .

- السّياق الزّمنيّ للآيات، أو سياق التّنزيل ، و يعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النّنزول .

- السّياق المَوضوعيّ ، ومعناه دراسة الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد، سواء أكان الموضوع عامّاً كالقصص القرآنيّ أو الأمثال أو الحِكم الفقهية ، أم كان خاصّاً كالقصة المخصوصة بنبيّ من الأنبياء أو حُكم من الأحكام أو غير ذلك، و تتبّع مواقعها في القرآن الكريم كلّه .

- السّياق المَقاصديّ و معناه النّظر إلى الآيات القرآنيّة من خلال مقاصد القرآن الكريم والرؤية القرآنية العامّة للموضوع المُعالَج .

- السّياق التّاريخيّ بمعنييه العامّ و الخاصّ ؛ فالعامّ هو سياق الأحداث التّاريخيّة القديمة التي حكاها القرآن الكريم و المُعاصرة لزمن التّنزيل، والخاصّ هو أسباب النّزول.

- السّياق اللّغويّ و هو دِراسةُ النذصّ القرآنيّ من خلال علاقاتِ ألفاظِه بعضها ببعض و الأدواتِ المستعملة للرّبط بين هذه الألفاظ ، و ما يترتّب على تلك العلائق من دلالات جزئية و كلّية .

و ينبغي تحكيم كلّ هذه الأنواع من السّياق عند إرادة دراسة النّصّ القرآني بمنهج سياقيّ متكامل، و إلاّ فإنّ الاقتصار على السياق التّاريخيّ سيحوم حول النّصّ و لا يعدوه، وأمّا الاقتصار على السّياق الدّاخليّ وحده دون الالتفات إلى الأحداث التّاريخيّة المحيطة به أو المصاحبة لنزوله فسيجعل النّصّ بنيةً لغويّةً مغلقةً تقتصر على ما تفيده الألفاظ من معانٍ و دلالات .

* النّصّ القرآني نصّ لغويّ أولاً :

يعدّ النّصّ القرآني بادئ ذي بدء نصا لغويا منسوجا من جنس لسان العرب ، مؤلَّفا من جمل مترابطة تشكّل عناصر ذات دلالات خاصّة بها ، و تتضافر هذه العناصر لتؤلّف كلاما يفيد قصدا دلاليا معينا .

و هذه قاعدة ثقافية ثابتة لفهم النص القرآني ، و اقتضت هذه القاعدة من علماء التفسير الوقوف عند ظاهر اللّفظ باعتباره أساسا لفهم المعنى ، و لم يُلتفَت إلى الجوانب التّاريخيّة أو النّفسيّة أو الثّقافيّة إلا في إطار ضيّق و بحذر شديد خشية الوقوع في محظور التفسير بالرأي ، و تبيّن أنّ للنّصّ القرآني ثابتا يُلتزَم بالوقوف عنده و متغيرا يكون عُرضة للاجتهاد و التأويل و الفهم المجازي ، و لا يجوز أن يحوَّلَ النصّ القرآني إلى ميدان للفهم الظّاهريّ الحرفيّ مطلقا و لا للفهم الباطنيّ الذي من هذا النّصّ كتابا رمزيا لا يُراد منه ظاهره بل يُراد منه فهمُ كلماتِه باعتبارها مصطلحات خاصّةً ذات رموز معينة يستعصي فهمها .

و قد أساء كلّ واحد من هذين الاتجاهين إلى النّصّ القرآني و المفاهيم القرآنية، لِما يتّصف به من غلوّ فكري و شطط منهجي و بعد عن المنهج الوسط الذي يُحكِّم الأدواتِ الموضوعيةَ في فهم النّصّ كما أنزِلَ و كما أراده منزِله سبحانه و تعالى ، و هي دلالاتُ الألفاظ في عهد التّنزيل ، و علومُ القرآن ، و قواعدُ الفقه و أصولُه ، و عادةُ القرآن الكريم و منهجُه في الخطاب ، و أسلوبُه في التربية و التّعليم و التّقريب ، و تحكيمُه في تفسيرِ آياتِه ، ثمّ تحكيمُ الحديث النبويّ القطعيّ الثّبوت أو الظّنّيّ الثّبوت الذي ثبتَ بخبر الثّقة، في تفسير القرآن ؛ لأن القرآن الكريم مُحتاج إلى كثير من البيان –وهذه فيه علامةُ الكلّيّة- ، أمّا السّنّة فهي لكثرتها و كثرة مسائلها و تفاصيلها بيان للكتاب . فالسّنّة تفسّر القرآن الكريم و تبيّنه و توضح معانيه ، و لا تحتاج إلى إيضاح من القرآن لأنها واضحة المعاني و العبارات .

* النّصّ القرآني في ظلّ السّياق :

جاء القرآن الكريم معرِّفا بالأحكام الشّرعيّة ، و جاء تعريفه بهذه الأحكام كلّيّا لا يختصّ بشخص أو حال أو زمان أو شرط أو ركن أو غير ذلك ، و جاءت تلك الأحكام الكلّية مستوعبةً كلَّ الظّروف و الأحوال و الطّاقات ، و كلّما أحسن الفقيه و تمكّن من تنزيل تلك الأحكام الكلّية –المجرَّدة من ظروف زمان بعينه أو مكان بعينه- على الوقائع و الأقضية ، أدرك المقاصد العليا للشريعة .

و يدلّ على صفة الكلّيّة في القرآن الكريم أنّه محتاج إلى كثير من البيان و العرض على المَساقات المختلفة ، بحسب ما تسمح به مقاصد الشّريعة ، و قد جاءت السّنّة بيانا للكتاب كما قال تعالى : «و أنْزَلْنا إليك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهم و لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرون»[27]

* السِّياق اللّغويّ للقرآن الكريم: إجراءات تطبيقية لكيفية تحكيم السياق في فهم القرآن :

أ- اللّغة المُتداوَلَة في عصر التّنزيل هي المرجع في التّفسير :

ينبغي أن تُعدّ اللّغةُ التي كانت مُتداوَلةً في عصر التّنزيل المَرْجِعَ في تفسيرِ القرآن الكريم واستنباط الأحكام منه، دون الالتفات إلى اللّغة الحادثة[28] وما طرأ عليها في العصور التالية من تطوّر في دلالات الألفاظ ، ممّا لا ينبغي تحكيمه في فهم القرآن الكريم، وبعيدا عن الرّواسب الفكريّة التي يحملها المفسِّر فيُسقِطها على القرآن الكريم ، بِما يُخرِج النّصّ عن بلاغته و أصالته ، و معنى ذلك أن لغة التنزيل تُرافق سياق التنزيل و تُلازمها[29] ولا تحيد عنها ، فلا ينبغي إخراج المصطلح الشّرعي عن مدلوله الأصلي وإلا فسيصير « لفظُ الشّارع غير مُطابقٍ لمسمّاه الأصلي »[30] ، « وهذا أمر يوجِبُ الجهلَ بالحقّ والظّلمَ للخَلق»[31] .

ب- مُجاوزة مدلول الكلمة إلى تركيب الكلام و مقتضى السّياق :

يقتضي منهج التفسير اللغوي السّياقي ألا يقتصر المفسِّر على دلالة الكلمة بل يُجاوزها إلى تركيب الكلام ؛ قال المفسّر أبو حيّان النّحويّ الأندلسيّ عند تفسيره لقوله تعالى : « وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِه و هَمَّ بِها لَوْلا أن رَّأى بُرْهانَ رَبِّه »[32] : « طَوّل المفسِّرون في تفسير هذين "الهَمَّيْنِ" ، و نَسب بعضُهم ليوسفَ ما لا يجوزُ نسبتُه لآحاد الفسّاق ، والذي أختاره أنّ يوسف عليه السلام لَم يقعْ مِنْه هَمٌّ بِها البَتَّةَ ، بل هو مَنفيّ لوجود رؤية البرهان ، كما تقول : لقد قارَفْتَ لولا أن عصمَك الله ، و لا تقول : إن جواب "لولا" متقدّم عليها ، و إن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك ... بل نقول : إنّ جوابَ "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه ، كما تقول جمهورُ البصريّين في قول العرب : "أنت ظالم إن فعلت"، ولا يدلّ قوله "أنت ظالم" على ثبوت الظّلم ... و الذي رُوِيَ عن السّلَف لا يساعد عليه كلامُ العرب... و قد طهّرْنا كتابَنا هذا... و اقتصرنا على ما دلّ عليه لسان العرب ومساقُ الآيات »[33] ؛ فقد تبيّن أن المعنى الصّحيح في نفي الهمّ عن يوسف عليه السلام، يبيّنه تركيبُ الكلام كما ورد على أصله ، و لا معنى للقول بخروجِه عن ترتيبه .

ج- تتبّع الكلمة القرآنيّة في مواردها المختلفة :

و ممّا يُعِين على حسن الفهم أن يتتبَّع القارئُ الكلمةَ القرآنيّة في مواردها المختلفة[34] ويستقريها في مواضعا كلِّها ، حتّى يتبيّن له السّياق الدّلاليّ الصّحيح الذي وردت فيه، وذلك مثل كلمة "الاجتناب" التي وردت في معرض النّهي عن الخمر ؛ فإن الموارد التي وردت عليها الكلمة في القرآن الكريم تفيد اقترانَها بالشرك و ما في معناه[35] ، و يُستنتَج من ذلك الاقتران أنّ الكلمةَ تفيد التّحريم القطعيّ .

و لقد عدّ العلماءُ مراعاةَ السّياق في فهم القرآن الكريم المنهجَ الأمثل في التّفسير وضابطاً من الضّوابط المهمّة في حسن الفهم و التّأويل ، و تجلّت هذه القاعدةُ المنهجية، أي المنهج السّياقي، في تفسير القرآن بالقرآن[36] ، و دلالة السياق من أعظم القرائن التي تدل على مراد المتكلّم و تُرشِد إلى تبيين المُجمَل و إثبات المعنى المراد دون غيرِه وتخصيص العامّ و تقييد المطلَق ، و كلّ قول أو تفسير لا يُؤيّده السّياق فلا عبرةَ به .

فمن ذلك أن قولَه تعالى : « ذُق إنَّكَ أنْتَ العَزيزُ الكَريمُ »[37] إنّما يعني به الذّليلَ الحقيرَ ، و أن قولَه تعالى : « وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسي، إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بالسّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبّي، إنَّ رَبِّي غَفورٌ رَّحيمٌ »[38] إنّما هو من قولِ امرأة العزيز و ليس من قول يوسفَ[39]؛ لأنّ السياق يفيد أن كلام يوسف عليه السلام قد انقطع ، و ابتدأ كلام امرأة العزيز في جُملٍ متّصلة، أمام الملِك ، و لم يكن يوسفُ حاضراً معها في ذلك الوقت ، ولكنّه استُدعِيَ فيما بعدُ ؛ قال ابنُ كثير : « تقول المرأة : و لست أبرّئ نفسي فإن النفسَ تتدّث و تتمنّى، ولهذا راودته ، لأن النفس أمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، أي إلا من عصمَه الله تعالى، إن ربي لغفور رحيم . و هذا القول هو الأشهر و الأليق و الأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، و قد حكاه الماوردي في تفسيره ، و انتدب لنصره الإمامُ أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة »[40] .

و تقتضي مراعاةُ السّياق « مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة ، و سياق الجملة في موقعها من الآية ، فيجب أن تُربَط الآيةُ بالسياق الذي وردت فيه و لا تُقطَع عمّا قبلها و ما بعدَها ، ثمّ تُجرّ جرّاً لتفيد معنى أو تؤيّد حُكماً يقصدُه قاصد »[41] .

* القِيَم السّياقيّة المُستعمَلة في ربط الكلام بعضِه ببعض : نماذجُ عمليّة :

إنّ المتتبِّع للنصّ القرآني يدرك أن المَساقاتِ فيه تختلف باختلاف الأحوال والأوقات و النوازل ، ممّا هو معلوم في علم البيان و المعاني[42] ، فالضّابط الذي يَلزَم في فهم النص هو الالتفات إلى أول الكلام و آخِره بحسب القضية و ما اقتضاه الحالُ فيها، ممّا تُبيِّنُه أسباب النّزول ؛ فإنّ علم المعاني و البيان إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال و أسباب النزول ، فأجزاء القضية الواحدة و جُملها متناثرة في السّورة الواحدة أو السّوَر المتعدّدة ، و لكنّ بعضَها متعلّق ببعض ، فلا بدّ من ردّ آخر الكلام على أوله وأوّله على آخره لفهم مقاصد الشّارع مقرونا بمعرفة أحوال نزوله ، أمّا إذا تفرّق النّظر في الأجزاء بسبب الجهل بأسباب التنزيل فلا يُتوصَّل إلى إدراك المقاصد على الوجه المراد، ويوقِع هذا الجهل في الشُّبَه و يورِد النّصوص الظّاهرة مَوردَ الإجمال فيقع الاختلاف والنّزاع[43] .

فلا بدّ إذاً من مراعاة أوّل الكلام و آخِره ، و ربط ذلك كلّه بأحوال نزوله، لبيان المعنى المراد، و تُدرَكُ علاقاتُ الكلام بعضِه ببعض بمعرفة أساليب النّصّ القرآني، ومن هذه الأساليب أسلوبُ الرّدّ و التّعقيب، و أسلوب الحوار، و غير ذلك...

- أثر السياق في تفسير الائتلاف و الاختلاف بين الآيات :

في القرآن الكريم آيات كثيرة تكرّرت فيها كلمات أو جُمل من جهات متعدّدة، واختلفت من جهات أخرى، والسّياق اللّغوي من العلامات المائزة التي تَرفع إشكال اللَّبس، وهو ما عُرِفَ بعِلم المُتشابه. و قد صنَّف فيه العلماء و نظَمَه السّخاويّ و صنَّف في توجيهه الكرماني كتابَ "البُرهان" ، و أبو عبد الله محمّد بنُ عبد الله الخطيبُ الإسكافيّ الأصبهانيّ (ت.420هـ) كتابَ "دُرّة التّنزيل و غُرّة التأويل" ، و أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الزّبير الغناطيّ (ت.708هـ) كتابَ "مِلاك التّأويل" .

و المُتشابه هو إيراد القصّة الواحدة في صورٍ شتّى و فواصلَ مختلفة ، ويكثرُ في إيراد القِصص و الأنباء، و حكمتُه التّصرّف في الكلام و إتيانُه على ضُروبٍ ليُعلِمهم عجزَهم عن جميع ذلك[44] .

و من الشّواهد على ورود التّشاكُل بين الآيات مع الاختلاف اليسير :

أ- قولُه تعالى: «الحَمْدُ لله»[45] ، اقترَن بهذا المقطع أكثرُ من آية في أكثر من سورة، وكلّ هذه السّور متساوية في استقلالها بأنفُسها و امتياز بعضها عن بعض، و مع ذلك فقد خُصّت كلُّ آية منها بورودها مَتلوّةً بصفات من صفاته تعالى ؛ ففي الفاتحة : «اَلْحَمْدُ لله رَبِّ العالَمينَ» وفي الأنعام : «الحَمْدُ لله الذي خَلَقَ السَّماواتِ و الأَرْضَ جَعَلَ الظُّلَماتِ والنّورَ»، وفي الكهف : «الحَمْدُ لله الذي أنْزَلَ على عَبْدِه الكِتابَ و لَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً»، وفي سبأ: «الحَمْدُ لله الذي لهُ ما في السَّماواتِ و ما في الأرْضِ» ، و في فاطر : «الحَمْدُ لله فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ» .

فظهر أن الحمدَ واحد ، و لكنّه خُصِّصَ بصفات معيَّنة لمناسبة سياقية تفرضها في تلك السّورة دون غيرها :

فأمّا الحمد في الفاتحة فقد اقترن بصفاتٍ عليّة هي "رب العالمين" و "الرحمن الرحيم" و "مالك يوم الدين" ، و هي صفات تقطع الدّعاوى و تُظهرُ الحقائقَ و تُبرز إلى العيانِ ما كان خبراً

و أمّا الحمد في الأنعام فيُناسب ما وقع في السّورة من الإشارة إلى مَن عَبَدَ الأنوارَ و جعل الشّرَّ من الظّلمة ، و أنّ الله هو خالق السّماوات و الأرض و هي الأجرام التي ينشأ عنها الظّلمات و النّور و ليست مُستحِقّةً لأن تكون معبودة كما زعم قومُ إبراهيم عليه السّلام ، من ألوهيّة الكواكب و الشّمس و القمر ، فكان إسنادُ خلق السّماوات و الأرض لله عزّ وجلّ مناسبا لسياق المعنى ، فوضح التّناسب و التّلازم .

و ما قيل في الفاتحة يُقال الكهف و سبأ ، من وضوح التّناسب لِما جاء فيهما في موضعه الوارد فيه ، ناهيك عمّا ورد في خواتم الآيات و السّور من المعاني المناسبة للمؤمنين عند خواتم أعمالهم و انقضاء أمورهم ، نحو قولِه تعالى : «والحمد لله ربّ العالمين»[46] .

ب- و قَولُه تَعالى : « و قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ و زَوْجُكَ الجَنَّةَ و كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ »[47]، و قَوْلُه : « و يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ و زَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما و لا تَقْرَبَا هذِه الشَّجَرَةَ »[48] : عَطف الفعلَ المسندَ إلى المثنّى "كُلا" على المسند إلى المفرد "اسكنْ" في الآيتين معا ، و فرّقَ في أداة العطفِ فعَطَف في الأوّل بالواو و في الثّاني بالفاء ؛ و إنما كان العطف بالفاء لِما يوجد من معنى تعلُّقِ الثّاني بالأول كتعلُّق الجواب بالشّرط ، و أنّ وجودَ الأكل متعلِّق بدخول الجنّة لِلُّزوم والسُّكنى، فكأنّه قال : ادخُل ساكناً ، على غِرارِ قوله : « قالَ اخرُج منها مذْءومًا مَّدْحوراً »[49] .

ج- و قولُه تعالى : « وَ إذْ نَجَّيْناكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ »[50] ، و قولُه : « وَ إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ »[51] ، ففي الأوّل جعل "يذبّحون" بدلاً من "يسومونكم" فلم يَحتجْ إلى الواو ، و في الثّاني جعل "يذبِّحون" معطوفا على "يسومونكم" فجاء بالواو للتّعبير عن أنّ المكروه الذي أصابهم مِن قِبَل فرعون ضُروب كثيرةٌ، منها سَوْمُ العذاب و منها ذبح الأبناء ، و من فوائد العطف بالواو أن الآيةَ وردت في سياق قصّة أخرى قبلها : « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ، إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »[52] ، و القصّة المعطوفةُ على مثلها تُقوّي معنى العطف .

* أسلوب المُحاورات و علاقة الحوار بالسياق :

الحِوار فعل تواصليّ بين متكلّم و متلقّ ، و يتحقّق في موقف سياقي و فضاء ثقافي واجتماعي ، و القرآن الكريم هو الكلمة الفاصلة بين الحق و الباطل ، و جاء الحوار فيه لبيان الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا مِن خلفِه[53] ، و هو مليءٌ بنماذِجَ كثيرةٍ من أساليب الحوار المتنوّعة التي أرشد الله عزّ و جلّ نبيَّه صلّى الله عليه و سلّم لاتّباعِها في مسيرتِه العمليّة و الدّعويّة ، و قد بنى من الحوارِ قاعدةً كبرى تطبع علاقاتِه كلَّها، واتّخذها وسيلةً لنشر المعرفة المؤدّية إلى الحقّ : « وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَ قالَ إنَّني مِنَ المُسْلِمينَ »[54] ، « اُدْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ »[55] .

و من تتبَّعَ مجاريَ الحكايات في القرآن الكريم عرف مداخلها و ما هو منها حقٌّ وما هو منها باطل ، و المحاوراتُ داخلةٌ في هذا الباب ؛ فمن ذلك قوله تعالى : « إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله »[56] ، فهذه حكاية ممزوجةُ الحقِّ بالباطل، ظاهرها حقّ وباطنها كذبٌ من حيث كان إخبارا عن المُعتقَد و هو غير مُطابق ؛ فقد صحّح القولَ بقولِه : « و اللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُه » إبطالاً لِما قصدوا فيه .

و ممّا جرى تصحيحُه قولُه تعالى: «و منْهُم الذينَ يُؤْذونَ النَّبِيَّ وَ يَقولونَ هُوَ أُذنٌ»[57] أي يسمع الحقَّ و الباطل ، فردَّ عليهم فيما هو باطل و أحقَّ الحَقَّ فقالَ : «قُلْ أُذنُ خَيْرٍ لَكُمْ» ، و لمّا قصدوا الأذيّةَ بذلك الكلام ردّ الله تعالى عليهم : « و الذينَ يُؤْذونَ رَسولَ الله لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ » .

فأنت ترى أنّ الحوار موجَّه و هادف لإثبات الحقّ ، و عمَلِيٌّ يقوم على تفريغ موقف الحوار من الأفكار الجاهزة المتحكِّمة ، و هو المبدأ الذي تنصّ عليه الآية : «وَإنّا أوْ إيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُّبينٍ »[58] .

فالحوار أسلوب لغويّ من الأساليب السّياقيّة ، يصل المتحاورين بموضوع الكلام وصلاً عمليّا مباشرا و يُرسِّخه في أذهانهم ترسيخا ؛ لأنه ضربٌ من الإثارة التي تستتبع الانتباه . و قد ساق القرآن الكريم آيات كثيرة تعالج قضية العقيدة بأسلوب الحوار، على لسان بعض الأنبياء الذين حَرَصوا على إثارة أسئلة تنبّه أقوامَهم على انحراف مُعتقَدهم، من ذلك قولُه تعالى : « وَ لَئِنْ سَألْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ و الأرْضَ و سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقولُنَّ الله، فأنّى يُؤْفَكونَ »[59] ، فالآية تشير إلى أنّ مُساءلتَهم عن قدرةِ الله وخَلْقِه وتسخيره أسلوب يفتح المجالَ للحوارِ و الإقرار بقدرة الله ، و يفتح الأعين على ضلال تصوّرِهم للألوهيّة . و مثل هذه الآية في أسلوب الحوار بالمُساءلة كثير في القرآن الكريم.

و هناك نوع من الأسئلة التي تُثار مع الأنبياء و لكنّها غير مناسبة لسياق المرحلة ومقتضيات الدّعوة، فجاءت محاورة النبي صلى الله عليه و سلم لقومه صرفاً لهم عن مثل هذه المواضيع التي تَخرُج عن السّياق العمليّ الجديد ، و تذكّر بالمواضيع المناسبة، كقوله تعالى: «وَ يَسْألونَكَ عَنِ الرّوحِ ، قُلِ الرّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّي و ما أوتيتُمْ مِّنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً»[60] فالسياق العمليّ الجديد ليس في السؤال عن الروح ، و لكن في الإعداد لها . و قد تكرّر هذا الأسلوب كثيرا و فيه صرف للسائل إلى ما ينبغي أن يصرفَ إليه همَّه .

و هناك نوع آخر من الأسئلة يُوجَّه النبيّ صلى الله عليه و سلم إلى لقائه ، ثم يوحَى إليه الجواب ليُلقِيَه إلى قومه بيانا منه أنه معروف مقرَّر لا يحتاج إلى تأمل ، نحو قوله تعالى: « قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ »[61] .

* اخْتِلاف مَعاني الألفاظ المعجميّة لاختلاف السّياق :

قد يكون للدّالّ أكثرُ من مدلول ، و يتحدّد المدلول وفقَ السياق اللّغويّ ، ويرى بعض اللغويين الغربيين أنّ للكلمة أكثرَ من معنى سواء أكان هذا المعنى حقيقيا تصريحيّا أم كان مجازيا إيمائيا ، و ذلك بالنظر إلى التّداعيات الدلالية التي يمكن أن تُحدِثها الكلمة في أثناء الاستعمال، فأي كلمة قد تستدعي قيما اجتماعية و ثقافية أو انفعالية ، تعكس صورة قائلها و تحدّد بعض ملامحه النفسية[62] ، و لا يمكن استخراج المدلول المقصود من بين المدلولات المحتمَلة إلا بعرض الكلمة على السياق و إخراجها من عُزلتها المُفترَضة والكشف عمّا تتلفّع به من الحالات النفسية و الظّلال الدّلاليّة و التّجارب البشرية والرّصيد التّاريخي الطويل .

و لقد وردت في القرآن الكريم أفعال كثيرة تتّخِذ معاني مختلفةً بحسب مواقعها من السياق ، فليس مَعنى الكلِمة المعجمِيُّ هو المعنى الرّئيس ، كما درج على تقريرِه اللّغويّون وعلى تصوّرِه علماء المعجم، عندما بنوا معاجِمَهم على وحدة محدَّدة هي الكلمة ، و لكنّ لكلّ كلمة معانِيَ شتّى ، عالِقةً بها ، و السياق هو الذي يستدعي المعنى المناسب من بين تلك المعاني الكثيرة . إنّ الكلمةَ مَعِينٌ من الدّلالات التي لا تنضُب، ولا ينبغي استئصالُها من مساقاتها و الادّعاء أنّ لها معنى رئيساً و معانِيَ فرعيّةً ، و سأورِدُ بعضَ الشَّواهدِ و الأمثلةِ على سبيلِ التّطبيق :

- و من هذه الكلمات الأفعالُ التي سمّاها النّحاةُ نواسخَ، فحدّوها حدّاً و عَدّوها عدّاً، ولكنّهم تركوا منها أفعالا أخرى مثل فعل "أتى" ، فهو فعل تامّ ولكنّه قد يأتي في سياق النواسخ ، وذلك نحو قوله تعالى : « اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألْقوهُ عَلى وَجْهِ أبي يَأتِ بَصيراً»[63]، فقد ورد هذا الفعل هنا بمعنى "صارَ" أو "انقلب" ، وهو استعمال خاص في هذا الموضع، مختلف عن المعنى المُتداوَل المشهور عند أصحاب اللغة، وهو معنى المجيء، وقد ورد هذا المعنى في الآية نفسِها : « اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألقوهُ عَلى وَجْه أبي يَأْتِ بَصيراً و أْتوني بِأهْلِكُمْ أجْمَعينَ »[64] ، فقد جاء فعل "أتى" في الآية الواحدة مرَّتَيْن بمعنيَيْن مُختلِفين ، و السّياقُ يميز بين المعنيين .

- و من هذه الكلمات فعلُ "صار" الذي يأتي ناقصا و يأتي تامّاً بمعنى "رجع" نحو قولِه تعالى : « ألا إلى الله تَصيرُ الأمورُ »[65] .

- و مما دلّ على أكثرَ من معنى أيضا : فعلُ "عاد" الذي ورد بمعنى العودة وبمعنى "صار"، نحو قوله تعالى : «قالَ الملأ الذينَ اسْتَكْبَروا مِنْ قَوْمِه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والذينَ آمَنوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا»[66]

- و جاء فعلُ "ارتدّ" بمعنى الارتداد و بمعنى "صار" ، نحو قولِه تعالى: «فَلَمّا أنْ جاءَ البَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً»[67] .

و الأفعالُ التي ورَدَت بأكثرَ من معنى واحدٍ في القرآنِ الكريم كثيرةٌ جدّاً ، وكذا الأسماء وحروفُ الجرّ .

* التّعدُّد و الاحتمالُ في معاني النّصّ القرآني بحسب معطيات السّياق :

قد يتعدّد المعنى من خلال ما يفيده السياق اللغوي للآيات ، و يقود هذا التّعدّد إلى تعدّد في الإعراب . و من أمثلة الاحتمال و التعدد قولُه تعالى : « و قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكونا مِنَ الظّالِمينَ، فأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فأخْرَجَهُما مِمّا كانا فيه »[68] . يَحتمِل الضّمير "ها" في قولِه "وكُلا مِنْها" إعرابَيْنِ اثنيْنِ بحسب المعنى الذي يُفيده السّياق اللّغوي؛ أحدُهما عَود الضّميرِ على أقرب مذكورٍ و هو الشّجرة ، فيكون المعنى : فَحَمَلَهُما الشّيطان على الزّلّة بِسببِها، وتكونُ "عنْ" تُفيد معنى السّببيّة[69] .

و الثّاني عَوْدُه على "الجنة" لأنّها أول مذكور[70] ، و قيل إن الضميرَ عائد على غيرِ مذكورٍ يُفهم من المعنى الحاصل من السياق ، و هو معنى "الطّاعة" ، بدليل قولِه تعالى: «وَ لاتَقْرَبا» ، و المعنى : أطيعاني بِعدم قربان هذه الشجرة ، فعاد الضّمير على معنى الطّاعة المُتحصِّل من السّياق[71]، وقيل أيضا إن الضمير يعود على الحالة التي كانوا عليها من التّفكُّه و رغد العيش، بدليل قولِه تعالى : «وَكُلا مِنْها رَغَداً» .

* التّقديمُ و التّأخير و السياق :

التّقديم و التّأخير باب من العلم في البلاغة يَتعلّق بتقديم لفظ على آخر و تحويلِه عن مكانِه الأصلي، و سنّة من سنن العرب في كلامها، و سبيل « إلى نقل المعاني في ألفاظِها إلى المخاطَبين كما هي مُرتَّبة في ذهن المتكلّم حسب أهمّيّتها »[72] .

و هو لا يُخرِج الشيءَ المُقدَّم من تأخير أو المُؤخَّر من تقديم عن حُكمِه الإعرابي الذي كان له في الأصل ، و لكنّه قد يُخرجه عن حكمه البلاغي الذي كان له إلى حكم آخَر اقتضاه المعنى .

و لهذا الباب البلاغي أهمية بالغة ؛ إذ لا يتمّ تقديم كلام على نية التأخير أو تأخيره على نيّة التّقديم عبثا ، بل لبواعثَ موجبةٍ تُخرج الكلام في صورة أبلغ و أفصحَ .

و قد درس علماء البلاغةِ والنّحو والتّفسير التّقديمَ و التّأخيرَ في كتاب الله تعالى، وقدّموا نماذجَ عَمليّةً تُفيد قيمة هذا البابِ البلاغيّةَ و الدّلاليةَ ، منها قولُه تعالى: «وَلا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم، إنّ قتْلَهُم كان خِطْئاً كَبيراً»[73] ، أي خَوْفَ إقْتارٍ وفَقْرٍ ، في حالةٍ ، و هو إخبار عن العرب ؛ لأنهم كانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذّكور خشية الافتقار و العَيْلَة ، فوعظهم الله في ذلك و أخبرهم أنّ رزقهم ورزقَ أولادهم على الله . فالآية الكريمة دالّة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، خلافا لِما كان عليه أهل الجاهلية من عدم إيراث البناتِ و مِن قتلهِنّ ، فنهى الله تعالى عن ذلك و قال: «ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ» أي خوفَ أن تَفتقِروا في ثاني الحالِ ، و لهذا قدّم الاهتمامَ برزقهنّ فقال : «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُمْ» .

أمّا في سورة الأنعام فنجد قولَه تعالى : «و لا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ»[74] ، فقد قدّم رزقَ الوالِد على الولد، وهو خطاب للفقراء المقِلّين ، أي لا تقتلوهم من فقرٍ بكم ؛ فحسُن «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ» أي نرزقكُم ما يزولُ به إملاقكم ، ثمّ قال : «و إيّاهم» أي نرزقكم جميعا، خلافا للآية السّابقة التي قدّم فيها رزق الولَد على رزق الوالد ؛ لأنها خطاب للأغنياء أي خشية فقر يحصل لكم بسببهم[75] ، و الخشية إنما تكون ممّا لم يقع ، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم لأن رزقَهم حاصل ؛ فكان أهمَّ فقدَّم الوعدَ برزق الأولاد على الوعد برزقهم[76] .

و الخلاصة في الفرق بين الآيتين أن الباعثَ على القتل في قوله «مِنْ إمْلاقٍ» الإملاقُ النّاجِزُ ، و الباعث على القتل في قولِه : «خشيَةَ إمْلاقٍ» الإملاقُ المُتوَقَّع[77]، وهذا الفرق بين الآيتين إنما هو فرق بين معنيين سبَّبَهما تقديم اللفظ أو تأخيرُه .


* أثرُ السّياقِ في بيانِ مقاصدِ التّنزيل و دفع شُبهة التّأويل :

يقع كثير من النّاس في الوهم و الخطأ عندما يعمدون إلى تفسير بعض الآيات بالظّاهر تفسيرا يتعارضُ و حقيقةَ ما أنزِلت بسببه، فمن ذلك تفسيرهم لففظ "التّهلُكة" في قوله تعالى : «وَ لاَ تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ»[78] باقتِحامِ ميادينِ القتالِ و منازلةِ العدوّ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن المغيرة[79] ؛ قال : بعث عُمرُ بن الخطّابِ جيشا فحاصروا أهلَ حصن وتقدّم رجل من بجيلةَ فقاتل فقُتِل فأكثر النّاس فيه يقولون : ألقى بيده إلى التّهلكة ، فبلغ ذلك عُمرَ رضي الله عنه فقال : كذَبوا ، أليس الله عزّ وجلّ يقول : « و مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَه ابْتِغاءَ مَرْضاةِ الله ، و الله رَؤوفٌ بِالعِبادِ»[80] ، فأنت ترى كيف أنّ عُمرَ رضي الله عنه صحّح ما علِق بأذهان النّاس من معنى هذه الآية ، و ذلك بوضعها في سياقها، وأعطاهم أنموذجا قويا و نهجا سليما في فهم معاني الآيات .

لقد وردت هذه الآية في سياق معين لا ينبغي عزلها عنه و الاستدلال بها على ظاهر اللفظ ؛ فإن الاستدلال بها مُقتبَسَةً من القرآن الكريم إخراجٌ لها من سياقها الذي وردت فيه و إكراه لها على إفادة معنى لا تعنيه ؛ فقد وردت مسبوقةً بآيات في القتال وعدمِ إمساك اليد عن الإنفاق ؛ لأن الإمساك هو منتهى التّهلُكة؛ قال الله تعالى : «وقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ و يَكونَ الدّينُ لله، فإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلاّ عَلى الظّالِمينَ، الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ و الحُرُماتُ قِصاصٌ ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، و اتَّقوا الله و اعْلَموا أنَّ الله مَعَ المُتَّقينَ ، وأنْفِقوا في سَبيلِ الله و لا تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ و أحْسِنوا ، إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ »[81] . ففيه الأمر بالإنفاق في سبيل الله أي في طريقه الذي أمَرَ أنْ يُسْلَك فيه على عدوّه من المشركين لجِهادهِم ؛ فإن الله يُعوِّضُ المُنْفِقين أجرا و يرزقهم عاجلا ، فإن تركوا النفقةَ عرَّضوا الجهاد للخطر؛ لأنه يحتاج إلى تجهيز بالمال و العتاد ، و لذلك سُمّي البخلُ هلاكا و تهلُكةً ، و هو في الأصل انتهاءُ الشيء إلى الفساد ، ثمّ يأمر الله الأمّةَ بالمزيد من البذل و العطاء : «وأحْسِنوا إنّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ » .


* المُناسبة بين آيات القرآن الكريم :

معرفةُ المناسبات بين الآيات مظهر من مظاهر مراعاة السّياق في الفهم و التفسير، وهو موضوع ألّف فيه العلماء ، و فائدته جعل أجزاء الكلام بعضها مرتبطا ببعض حتّى يصير التّأليفُ كحالِ البناء المُحكَم المتلائم الأجزاء ن و قد قلّ اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقّتِه ، و ممّن أكثر منه الإمام فخر الدّين الرازي ، و قال في تفسيره : أكثرُ لطائف القرآن مُودَعَةٌ في التّرتيبات و الرّوابط .

و هذا و يُشترَط في حسن ارتباط الكلام أن يقعَ في أمر متّحد مُرتبط أوّله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يُشترَط فيه ارتباط أحدهما بالآخَر، و مَن ربط ذلك فهو متكلِّف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يُصان عنه حُسن الحديث فضلا عن أحسنه[82]. وأما القول بأنه لا يُطلَب للآيات الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة ، فالجواب عنه أن نزول الآيات على حسب الوقائع تنزيلا و على حسب الحِكمة ترتيبا، وسوره مرتّبة بالتوقيف. و الذي ينبغي في كل آية أن يُبحَث عن كونِها مكمِّلةً لما قبلها أو مستقلّة، ثُم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك عِلم جَمٌّ ، و هكذا في السور يُطلب وجه اتِّصالها بما قبلها و ما سيقت له[83] .

و من أنواع ارتباط الآيات بعضِها ببعض تعلُّق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامِه بذاته، و هذا النّوع واضح ، و نوع تكون فيه الآية الثانية للأولى على جهة التّأكيد والتفسير أو الاعتراض و التشديد ، و هذا القسم واضح أيضا ، و نوع آخر لا يظهر فيه ارتباط الآية بالأخرى بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى و أنها خِلاف النوع المبدوء به، و مثال ذلك :

- أن تكون الجملة معطوفةً على ما قبلها بحرف من حروف العطف المُشرِك في الحُكم، كقوله تعالى: « يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ و ما يَخْرُج مِنها و ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فيها »[84] و قولِه : « و اللهُ يَقْبِضُ و يَبْسُطُ و إليْه تُرْجَعُونَ »[85] ، و فائدة العطف جعلُها كالنّظيرَيْن و الشّريكينِ

و كقولِه تعالى : « قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُم ألاّ تُشْرِكوا شَيْئاً، و بالوالِدَيْنِ إحْساناً، و لا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ و إيّاهُمْ »[86] ؛ عَقَّب سُبحانَه و تَعالى التّكليف المتعلِّق بالوالدين بالتّكليف المتعلقِ بالأولاد لكمال المناسبة[87] .

و قد تكون العلاقة بينهما علاقةَ تضادٍّ ، و هذا كمناسبة ذِكر الرّحمة بعد ذِكر العذاب، و الرغبة بعد الرهبة، وعادةُ القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا و وعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سَبَق ، ثم يذكر آيات التوحيد و التّنزيه ليُعلَم عظمُ الآمر و النّاهي ، و القرآن الكريم مليء بهذا المقابلا .

- و قد تأتي الجملة معطوفةً على ما قبلَها و يُشكِل وجه الارتباط ، فتحتاج إلى شرح و تأويل ، لاستكشاف سياق الجمع بين الجملتين ، و من صور ذلك قولُه تعالى: «يسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنّاسِ و الحَجِّ، و ليسَ البِرُّ بأنْ تأتوا البُيوتَ مِنْ ظُهورِها و لَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ، و أتوا البُيوتَ مِنْ أبْوابِها ، و اتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحونَ »[88] فقد يُقال : أيُّ رابطٍ بين أحكام الأهلّة و بين حُكم إتيان البيوت ؟ وجه اتّصالِه بِما قبله أنهم سألوا عن الأمْرين ، و أنهم لَمّا سألوا عمّا لا يعنيهم و لا يتعلّق بعلم النّبوّة، و تركوا السّؤال عمّا يعنيهم و يختص بعلم النّبوّة -فإنه عليه الصلاة و السلام مبعوث لبيان الشرائع لا لبيان حقائق الأشياء- عَقّبَ بإجابتِهم عمّا سألوا تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا مثلَ ذلك و يهتمّوا بالعلم به ، و إما على سبيل الاستعارة التمثيليّة بأن يكون قد شبّه حالَهم في سؤالِهم عمّا لا يهمّ و تركِ المهمّ بحال مَن ترك الباب و أتى مِن غير الطّريق، للتّنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال، و المعنى : و ليس البر بأن تعكِسوا مسائلَكم و لكنّ البر مَن اتّقى ذلك و لم يجترئ على مثلِه، و أتوا البيوت من أبوابها ؛ إذ ليس في العدول بِرّ فباشِروا الأمور من وجوهها و اتّقوا الله في تغيير أحكامِه و الاعتراض على أفعاله لعلكم تفلحون ، و يجوز أن يكون الجامع بينهما أن الأول قولٌ لا ينبغي و الثّاني فعلٌ لا ينبغي[89]

و هناك مظهر آخر من مظاهر المناسبة بين الآيات : و هو مناسبة صدر السورة أو أوائل الجمل لِما يعقبها من كلام ، أو ما يمكن أن يُدعى بالاستهلال أو الافتتاح، حيث يكون الكلام المُستهَلّ به ذا أهمّيّة و عناية و تركيز ، مما يؤثّر في أجزاء الكلام اللاحق، و يستحق بذلك التقديمَ و الاستهلال؛ و قد ذكر العلماءُ الحكمةَ في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح و افتتاح سورة الكهف بالتحميد؛ أن التسبيح حيث جاء مُقدَّم على التحميد؛ يُقالُ: سبحان الله و الحمد لله ، و أن سورة الإسراء افتُتِحت بحديث الإسراء و هو من الخوارق الدّالّة على صدق النبوّة و الرسالة ، و التّسبيحُ تنزيهٌ لله تعالى عمّا صدر عن الكفّار من تكذيبٍ بشأن الإسراء تكذيبَ عنادٍ ، فنزَّه نفسَه قبل الإخبار بهذا الذي كذّبوه . و أما سورة الكهف فإنه لمّا احتَبَس الوحي و أرجف الكفّار بسسب ذلك أنزلَها الله ردّاً عليهم و أنه لم يقطع نِعمَه عن نبيّه صلى الله عليه و سلم ، بل أتمّ عليه بإنزالِ الكتاب ، فناسب افتتاحَها بالحمد على هذه النّعمة[90] .

و أما سورة سبأ فلمّا تضمنت ما منح الله سبحانَه داودَ عليه السلام من تسخيرِ الجبال و الطّير و الرّيح و إلانَةِ الحديد ناسب ذلك ما به افتتحت السورة من أن الكُلَّ مُلكُه و خَلقُه ، فهو المسخِّر لها و المتصرِّف في الكلِّ بما شاء، فقال تعالى في أول السورة: «الحَمْدُ لله الذي لَه ما في السّماواتِ و ما في الأرضِ و له الحَمْدُ في الآخِرَةِ»[91] ، فالارتباط واضح بين افتتاح كلٍّ من هذه السور و بما يليها من موضوع السورة و القضايا التي تعالجها .

و هكذا فإن الكلِمةَ الأولى أو الجملة الأولى في أول السورة تُعدّ أمارةً ومعلََما على ما بعدَها ، و هذا مظهر من مظاهر تماسك النص و تناسُب أجزائه[92] . و المُلاحَظ هنا أن السياق اللغوي للنص القرآني ، على أهمّيّته في تفسير معنى الآيات ليس كافيا وحده ؛ بل لا بدّ من مواكبةِ هذا المنهج اللغوي الداخلي لمنهج آخَر خارِجيّ ، و هو المُؤلَّف من عوامِلَ أخرى مساعدةٍ على الفهم و التفسير ، و هي أسباب النزول و مصادر التّاريخ والسيرة، و غير ذلك ... و إذا تعارض المنهجان قُدّم التفسير بالآثار و النصوص النقلية والروايات الصحيحة .

* المناسبة الصوتية لسياق الكلام، و أثرها في بيان المعنى :

لا شكّ أن اللغة العربية من أدق اللغات احتفاظا بالمعاني الفِطريّة للحروف ، أي بحركة الإنسان الأول في الإشارة إلى المعاني ؛ ذلك أن كثيرا من الحروف لها دلالة في ذاتها قبل أن تقترن بغيرها من الحروف ؛ فمن ذلك دلالات النداء و التعجب و التأوّه والأنين و الإشارة و التنبيه و غير ذلك من المعاني التي تدعو إليها معاناة الحياة الفطرية الأولى[93]؛ فالنداء يعتمد على أصوات الحلق المقذوفة من الجوف مُطلَقَةً في الهواء لتبلُغَ بالصوت أقصى ما يُطيقه تدافُع النّفَس ، و كذلك الإشارةُ و التّنبيه يتطلَّبان من صاحِبَيهِما إرسال الصوت خارجا من الحلق إلى المُشار إليه أو المُنبَّه ، و هكذا في أكثر الحروف المجرَّدة: فالهمزة الممدودة هي الصدى الصوتي الذي يراد به التنبيه و الإشارة و النداء، وحروف النداء تعتمد على الهمزة ، أما الياء الممدودة فهي تسهيل لمجرى الهمزة و تليين لها، و تأتي الهمزة للدلالة على الاستفهام و التعجُّبِ من طريق الاستفهام، و تثبُتُ الهمزة في أول التعجب كقولِك : "ما أكرمه" و "هو أكرم من فلان" ، و يشترك مع الهمزةِ حرفُ الهاء، و احتفظت العربيّةُ بالهمزة في أكثر حروف الاستفهام نحو أين و أنّى . و أما الهاء فأكثر مَوْرِدها على التنبيه و الدلالة و الإشارة ، مثلما وقعت في أسماء الإشارة "هذا وهذه وهؤلاء" و ما كان نحوَهنّ ، و في ضمائر الرفع المنفصلة التي تدلّ على الغيبة نحو "هو وهي وهما و هم و هنّ" ، التي فيها معنى الإشارة إلى الغائبين .

هذا ، و قد ذكر العلماء و الباحثون لكل جمهور من حروف العربية مجرىً ودرباً تتفرع منه شُعَبُه و يسهل معه الإبانة عن الأصوات و حكايتها و أسمائها، التي جعلتها اللغةُ لها في أعمال الإنسان و الحيوان و الجماد[94] .

و إذا توالت الأصوات، مع ما في كلّ صوت من معنى فِطريّ غُفْلٍ ساذَج نشأ معه بغير صنعة، أعطت سِياقاً صوتيا مركَّبا ذا دلالة مركَّبة، و يعدّ السياق الصوتي في الآيات القرآنية مظهرا من مظاهر السياق اللغوي؛ فقد اعتنى القرآن الكريم باختيار الأصوات الدقيقة المناسبة للأحوال الدلالية المختلفة؛ لأن للأصوات و الحروفِ حرارةً و توهّجا يضيء المعنى المراد ؛ فكانت كل كلمة بما تتألف به من أصوات، مُناسِبةً لصورتها الذّهنيّة؛ فما كان يستلذّه السّمعُ و يستميلُ النّفْسَ فحظّه من الأصوات الرّقّة و العذوبة، وما كان يُخيفها و يُزعجها فحظّه من الأصوات الشّدّة، و هذا التّناسب الصّوتي بين اللّفظ والمعنى وسيلة سياقية من وسائل تنبيه مشاعر الإنسان الباطنة و استثارة المعاني النفسية المناسِبة للموقف الخارجي .

أ- الصَّوتُ و المَعْنى، دراسة تطبيقية :

و إنّ للصوت القرآني[95] ، إذا ما نُطق به فصيحا بصفاته و من مخرجه المناسب[96]، صدى دلاليا يُشيع جوّاً خاصّاً من المعاني و حقلا دلاليا مخصوصا:

-دلالة الفزع و الأصوات المناسبة لها : "صَرَخَ" و "اصْطَرَخَ" : استعمل القرآن الكريم للدلالةِ على الفزع ألفاظا معيّنة ذات أصوات مخصوصة، منها مادّة "صرخ" التي اشتقت منها كلمات مثل الصرخة ، و هي الصّيحة الشّديدة عند الفزع أو المصيبة، والصراخ الصوت الشديد[97] ، و ما يُرافق الصراخَ من الاستغاثة اليائسة التي لا تجد أذُنا صاغية ، كما في قوله تعالى : « وَهُمْ يَصْطَرِخونَ فيها: رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً»[98] أي يستغيثون بشدّة وعويل و صوت مرتفع .

و لأصواتِ هذه المادّة إيقاعٌ شديد؛ فالصاد من حروف الاستعلاء و الإطباق، والطّاء كذلك، و تواليهما في الآية يُقوّي معنى المصيبة الواقعة بهم، و الخاء حرف حلقي جافٌّ غليظ يكون معه الاستعلاء و التّرفّع و يُفيد التّكرُّه و الاستبشاعَ و التّأوّه[99]. وقد وردت موادُّ لغوية توالى فيها الصاد و الخاء مثل الصّخِّ و هو الضّرب بالحديد على الحديد، و العصا الصلبة على شيء مُصمَت، و صخُّ الصّخرة و صخيخها صوتها إذا ضربتَها بحجر أو غيرِه، و الصّاخّة القيامة .

أما الصّرخة فهي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة، و الاستصراخُ الاستغاثة، و اصطرخ القوم و تصارخوا و استصرخوا استغاثوا، و الإصراخ هو الإغاثة و تلبية الصّارخ، و قوله تعالى : «ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ و ما أنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» تعني التبرُّؤَ المتناهي والإحباط التّامّ و الصوت المُجلجل في الدّفع ، فلا يُغني بعضهم عن بعض شيئا، ولا يُنجي أحدُهم الآخر من عذاب الله ، فلا الشيطان بمغيثهم و هم بمُغيثيه ، و الصريخ في اللغة يعني المغيث و المستغيث معا، فهو من الأضداد؛ قال تعالى : « فَلا صَريخَ لَهُم و لا هُمْ يُنْقذونَ» ، فيا له من موقف خاسر و جهد بائر ، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة، ولا إجارة ممّا وقعوا فيه .

- دلالة المُخاصمة و العناد و الأخذ و الرّدّ، و الأصوات المناسبة لها :

مادّة "شكس" في قولِه تعالى : «ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ»[100] والشُّركاء المتشاكسون هم العَسِرون المختلفون الذين لا يتّفقونن و التّشاكُس معنى يُفيد النّزاعَ المستمرّ بين المتشاكسين و عدمَ استقرارِهم على وضع مُعيّن و لا تَقوى لفظةُ "المتخاصمين" أن تدلّ عليه؛ لأن أصوات التّشاكس وهي الشّين والسّين تُفيد مُجتمِعةً متعاقبةً، معنى التضايُق و التّضادّ[101] ، ثمّ أضيف إليها الميم و التاء و الألف ، فارتفعت حدّة الجدال بين المتجادلين .

ب- التّنغيم و المعنى: دراسة تطبيقيّة :

التّنغيمُ تنوّع صوتيّ يتراوح بين الارتفاع و الانخفاض في أثناء النطق، ينظّم علاقة الأصوات المتتالية فتؤلِّف هذه المنظومة الصوتية إطارا صوتيا لأداء الجملة[102]، ويُعدّ التنغيم ظاهرة موقعيةً سياقيّة و قرينةً من قرائن التّعليق اللّفظيّة في السياق[103] ، و الجمل العربية تقع في صيغٍ وموازينَ تنغيميّةٍ هي هيئات من الأنساق النغمية ، كالهيئة التنغيمية لجملة الإثبات أو جملة النفي أو الاستفهام أو التعجب أو الإنكار أو الندبة أو التفجع، فلكل جملةٍ هيئةٌ تنغيميةٌ خاصة بها ، و يدخل في الجملة كلُّ حروفها و عناصرها الصوتية، وتؤلِّف هذه العناصر كلّها منحى تنغيميا للجملة يُعينُ على الكشف عن معناها و يستطيع السامع أن يَفهم مراد المتكلّم استنادا إلى التّنغيم .

هذا و إنّ للقرآن الكريم أغراضا في السياق الصوتي للآيات أو التنغيم المصاحب لأدائها، منها التنبيه و الوعد و الوعيد و النهي ، و وصف الجنة و النار و الرّدُّ على الكفار والمشركين و محاورةُ أهل الكتاب... و ليس من المناسب أن تُقرأ هذه الأغراض كلُّها بتنغيم واحد، بل يكون لها بحسب كلٍّ فهمٍ حالٌ . و قد تحدّث الزركشي (ت.794هـ) في كتابه "البرهان" عن وجوه المخاطبات في القرآن ، قال : « فمَن أراد أن يقرأ القرآن بكمال التّرتيل فلْيَقْرَأه على منازِلِه ؛ فإن كان يقرأ تهديدا لفَظَ به لفظَ المتهدّد ، و إن كان يقرأ لفظ تعظيمٍ لَفَظَ به على التعظيم »[104] .

و ينبغي للقارئ إذا أراد أن يُحسن تلاوة القرآن الكريم أن يستعين على ذلك «بأن تكون تلاوتُه على معاني الكلام و شهادةِ وصف المتكلّم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن ، و في مثل هذا قال تعالى: «الذينَ آتَيْناهُمْ الكِتابَ يَتْلونَه حَقَّ تِلاوَتِهِ أولئِكَ يُؤْمِنونَ بِه»[105] . فمن منازل القراءة أنّ التنغيم الباكي مناسب لآيات الاستغفار و التوبة ، و التنغيم الحاضَّ المُحرِّضَ مناسب لآيات القتال ، و كلّ ضرب من التنغيم يجب أن يُرافق المعنى الذي يناسبُه و يُظهِره، ليَجعَل المقروء مستقرا في ذهن السامع و قلبه .

و قد ترد أنماط تركيبية تحتمل أكثر من معنى ، كأن يَحتَمِل التركيب الواحدُ المُصدَّر بـ"ما" معنيينِ هما الاستفهام و النفي ، كما في قولِه تعالى : «قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أرادَ بِأهْلِكَ سوءاً إلاّ أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ أليمٌ»[106] يَحتمِل حرف "ما" معنى النفي فيكون الأسلوبُ إخبارا مؤكَّدا بالحصر ، و يحتمل معنى الاستفهام لغير العاقل فيكون الأسلوبُ استفهاما[107] ، و لا يخفى أن التنغيم الذي يقتضيه الأسلوب الأول يختلف عمّا عليه الأسلوب الثاني ، أما المعنى فيتوقّف على طبيعة الأداء الصوتي و الهيئة التنغيمية، و ليس بين المعنيين في الآية تعارضٌ .

و قد يتعدد المعنى بسبب مساقات الكلام ، من ذلك قوله تعالى: «وَقالَتِ اليَهودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلونَ الكِتابَ»[108] ، يَحتمِل من سياق التاريخ أن يكون المرادُ عامّةَ اليهود و عامّةَ النصارى ، و هو إخبار عن الأمم السالفة التي كذبت بالرسل والكتب من قبلُ ، و بهذا تكون "أل" تفيد استغراق الجنس استغراقا عُرْفِيّا[109] . و قيل إن المرادَ يهودُ المدينة و نصارى نجرانَ الذين تماروا عند الرسول صلى الله عليه وسلم وتسابّوا فأنكرت يهودُ المدينة الإنجيلَ و نبوّةَ عيسى عليه السلام، و أنكرت نصارى نجران التّوراةَ و نبوّةَ موسى عليه السلام ، فإذا تَرجَّح أنّ الآيةَ نزلت حاكيةً أحوالَ اليهود والنصارى في الخلاف بينهما حول نبوّةِ نَبيّيْهِما ، تَبيَّن من السياق أن هذا الأمرَ هو حكاية حالٍ حصَل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلّم[110] وتكون "أل" تُفيد العهديّة الذّهنيّة؛ لأنّه معهودٌ ذهناً من اليهود و النصارى .

و يدخل في هذا التأويل الثاني نفسِه أيضا أن المرادَ بذلك رجُلان ، أحدهما من اليهود قال لنصارى نجران : لستم على شيء، و الآخر من نصارى نجران قال لليهود: لستم على شيء ، فيكون الكلام قد وقع من بعضهم على بعض ، و جرى الحكم بعدم العلم عليهم جميعا[111] ، و بذلك لا يختلف الأمر عمّا قبلَه مِن إفادة حال حاضرةٍ .

ج- الوقف و المعنى : دراسة تطبيقية :

يتصل الوقف في القرآن الكريم بالمعنى و السياق اتصالا وثيقا ، و ممن أفرد له تأليفا خاصا أبو بكر الأنباري (ت.328) صاحبُ كتاب "إيضاح الوقف و الابتداء في كتاب الله عز وجل" ؛ فقد ربط الوقفَ بالمعنى و بالفهم للقرآن ، قال في ذلك : « ومِن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه و غريبِه معرفةُ الوقف و الابتداء فيه ؛ فينبغي للقارئ أن يعرف الوقفَ التّامّ و الوقفَ الكافي الذي ليس بتامّ و الوقفَ القبيحَ الذي ليس بتامّ ولا كافٍ»[112] .

و من الأمثلة التي ذكَرها : « أنه لا يتمّ الوقف على المضاف دون ما أضيف إليه، ولا على المنعوت دون النعت، و لا على المرفوع دون الرافع »[113] ، و بالجملة فإنه لا يجوز الفصل بين المتلازمين بالوقف على أولهما .

و ممّن أدرك أهمية الوقف و اتّصاله بالمعنى الحافظُ ابنُ الجزري الدّمشقي (ت.833هـ) ، فقد فصّل القولَ في أنواع الوقف ، و ردّ على مَن تكلَّف الوقف في بعض المواضع تعسُّفاً ، و بيَّن أنه ينبغي تَحَرّي المعنى الأتمّ و الوقفِ الأوجَه ، كالوقف على قوله تعالى : « و لا يحْزنْكَ قَوْلُهُمْ »[114] و الابتداء بعدَه بقولِه : « إنّ العزّةَ لله جميعا »[115]، فالوقف الذي يُراعى فيه المعنى يكون على الكلمة التي يتمّ بها معنى ما قبلها و لا تتعلق بما بعدها لفظا و لا معنى ، و غالبا ما يكون في أواخر الآيات و نهاية القصص وأواخر السور، مثلما أنّ الابتداء بما له تعلق بما قبلَه يفسد المعنى ، و ذلك لشدّة تعلّقه بالسابق؛ والمثال على ذلك أنه لا يُبتَدأ بقوله تعالى : « فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤمِنين »[116] و قوله : «اتّخذ الله ولدا»[117] و قوله : «نحن أبناء الله و أحباؤه»[118] .

***

يتبين في آخر المطاف أن فهم القرآن الكريم و تفسيره لا يتمّ إلا في ظل السياق العام بنوعيه الداخلي و الخارجي ، و لا يحصل هذا الفهم و لا ذلك التفسير إلا بمعاينة تطبيقية للآيات بمنهج كشّاف يكشف تفاصيل المعاني المحيطة بالآية ، و يسهم في بناء الصورة العامة للمعنى .

هذا و قد استُعرِضَ في هذا البحث طرُقٌ و أمثلةٌ و إجراءات تطبيقية لكيفية تحكيم منهج السياق في فهم القرآن و تفسيره، و هو منهج لساني لغوي يُسهم في استخراج كوامن الآيات و بيان مقاصد الخطاب ، سواء تعلقت هذه الإجراءات التطبيقية بالأصوات أو الكلمات المعجمية و الصرفية أو العبارات التركيبية أو النصوص الطويلة .

فالمنهج اللّساني الحديث يُقدّم في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نتج به أوّل مرّة ، و يمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية والصرفية و المعجمية و البلاغية ، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم و مقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية و معنوية ، و يضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال و الزمان و المكان والمتكلم والمخاطب.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




[1] انظر بسط الكلام عن هذه المرحلة، في كتاب "الفكر الدّيني في مواجهة العصر، دراسة تحليلة لاتجاهات التحليل في العصر الحديث"، د.عفت محمد الشرقاوي، دار العودة، بيروت، ط.1 ، 1979، ص:18-49 .
مثل تفسيره لقصة أهل الكهف (4/159) و ما أورده من إسرائليات و موضوعات ... [2]
[3] انظر كتاب : "مع المفسّرين و الكُتّاب" ، أحمد محمّد جمال ، دار الكتاب العربي 1954م ، و انظر ردّ الأستاذ النّجّار الذي ترجم كتاب جولد تزيهر على صاحب الكتاب ، و انظر كتاب "الفكر الدّينيّ في مواجهة العصر " د. عفت الشرقاوي .
[4] طبعة دار الكُتب الحَديثة، بيروت، 1962م .
[5] انظر كتاب: "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" الدّكتور يوسف القرضاوي، دار الشّروق، بيروت، ط.2، 1420هـ-2000م، ص: 63
[6] انظر : "في فقه التّدين فهما و تنزيلا" : 1/124-125
[7] انظر في تفصيل الكلام عن الصياغة الغربية لعلم الاجتماع، كتابَ "الصّياغة الإسلامية لعلم الاجتماع: الدّواعي والإمكان"، ذ. منصور زويد المطيري، كتاب الأمة، ع:33، ربيع الأول 1413هـ ، ص:40-41
[8] "مذاهب فكرية معاصرة" ذ. محمّد قطب، دار الشّروق، ط.1 ، ص:458
[9] "الصّياغة الإسلاميّة لعلم الاجتماع ،الدّواعي والإمكان" ص:132-133 .
[10] النّساء : 59
[11] هود : 117
[12] القَصَص : 58
[13] للتّوسّع في هذا الموضوع، انظر : "السُّنَن الإلهية في الأمم والجماعات و الأفراد في الشّريعة الإسلاميّة" د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرّسالة، ط.1، 1413ـ-1993م
[14] انظر بسطَ القضية في كتابِ : "رؤية إسلاميّة في قضايا معاصرة" د. عماد الدّين خليل، كتاب الأمّة، ع:45، المحرَّم1416هـ، مايو1995م
[15] القمر : 49
[16] الشّورى : 27
[17] البقرة : 170
[18] المائدة : 140
[19] الأعراف : 28
[20] الأعراف : 95
[21] يونس : 78
[22] لقمان : 21 .
[23] فُصِّلت : 53
[24] انظر "البُعد المصدري لفقه النّصوص" د. صالح قادر الزّنكي، كتاب الأمّة، ع:113، جمادى1 1427هـ / مايو-يونيو2006 .


[25][25] توصَّل علماءُ الدّلالة في العصر الحديث إلى تصنيف المدلولات بالاعتماد على عدّة طرق: الطريقة الشكلية أو الاشتقاق الصرفي، والطّريقة السّياقيّة، و الطّريقة الموضِعِيّة (تصنيف المدلولات بحسب موضع الكتكلّم وموقفه)، و الحقول الدّلاليّة (القَرابة الدّلاليّة بين المدلولات)،والتَّحليل بالمُؤلِّفات التي تتألّف منها الكلمة . انظر في تفصيل هذِه الطّرق: "مدخل إلى عِلم الدّلالة الألسنيّ" موريس أبو ناضر، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، ع:18-19، مارس1982م .
[26] انظر بسط الموضوع في كتاب : "منهج السّياق في فهم النّصّ" د. عبد الرحمن بودرع، كتاب الأمة، ع:111، المحرّم1427هـ-فبراير2006م
[27] النحل : 44
[28] انظر في تفصيل الكلام عن هذا الشّرط كِتابَ : "محاسن التأويل" محمّد جمال الدّين القاسمي (ت.1332هـ) تح. محمّد فؤاد عبد الباقي، ط.2، بيروت، دار الفكر، 1398هـ-1978م ، 1/236 .
[29] انظر أمثلة من الكلمات التي لها مدلولات جديدة غير مدلولاتها التي كانت لها في العصر الأول ، في كتاب : "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" د. يوسف القرضاوي، ص:232 .
[30] "مجموع فتاوى ابن تيمية" أحمد بن تيمية، جمع و ترتيب: عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم، ط. المكتب التّعليمي السّعودي بالمغرب، الرّباط، مكتبة المعارف، 35/395
[31] المرجِع نفسُه : 35/395
[32] يوسف : 24 .
[33] "البحر المحيط" لأبي حيان محمّد بن يوسف، بعناية مجموعة من العلماء منهم زهير جعيد و صدقي محمد جميل، ط.1 ، دار الفكر للطّباعة 1412هـ-1992م : 6/258 ، 9/146 ، 1/536 ، 4/139،415
[34] "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" ص:236 .
[35] انظر : الحجّ:30 ، النّحل:36 ، الزّمر:17 ، النّساء:31 ، الشّورى:37 ، النّجم:32 .
[36] "البُرهان في علوم القرآن" أبو عبد الله بدر الدّين الزّركشي، تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1391هـ، 2/175 .
[37] الدّخان : 49 .
[38] يوسف : 53 .
[39] "تَفسير ابن كثير" أبو الفداء إسماعيل بن كثير، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، 2/482 .
[40] "تفسير ابن كثير"، 2/482 .
[41] "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" ص:238 .
[42] انظر التّفصيل في "الموافقات" 3/313
[43] و ممّا يتّصل بمفهوم النّصّ عند العلماء العرب مفهومُ "القصد"، وهو غاية المتكلّم من الخطاب و الفائدة التي يرجو إبلاغها للمخاطَب، فلا نصَّ من دون "قصد"، و هذا المفهوم اهتمّ به اللسانيون و الفلاسفة المعاصرون حين تحدّثوا عن مفهوم "المقصدية" (Intentionnalité) في كلام المتكلّم، و منهم ج. ل. أوستين (Austin) و تلميذه ج. سيرل (Searl) في «نظرية الأفعال الكلامية» الت تندرج في إطار العلاقات التّداوليّة. انظر: أبو محمّد مسعود صحراوي، "المنهج السياقي و دوره في فهم النص و تحديد دلالات الألفاظ"، الحلقة (1) مقالة منشورة على موقع: www.chihab.net
[44] انظر في تعريف المتشابه "البُرهان في علوم القرآن" للزركشي، 1/1152 .
[45] ورد هذا المقطعُ في ثلاث وعشرين آيةً أوّلُها الفاتحة .
[46] الأنعام : 45 ، الصّافّات : 182
[47] البقرة : 35 .
[48] الأعراف : 19
[49] الأعراف : 18
[50] البقرة : 49
[51] إبراهيم : 6
[52] إبْراهيم : 5
[53] هناك مراجعُ عَرضت للحوار في القرآن الكريم من حيثُ الأساليب و القواعد و المعطيات العمليّة، و بَحَثت الموضوع من جوانبِه الفكريّة ونماذجِه التّطبيقيّة الواقعيّة ، من أهمِّها كتابُ "الحِوار في القرآن، قواعده، أساليبه، معطياته" للأستاذ محمّد حسين فضل الله، (ط.1 ، بيروت، الدّار الإسلاميّة، 1399-1979) ، و اتّخذ الكِتابُ منحىً فكريّاً و عقليّا و موضوعيا، تاركا العناصرَ اللّغويّة و الجماليّةَ لمؤلَّفاتٍ أخرى .
[54] فُصّلت : 33
[55] النَّحل : 125 .
[56] المُنافقون : 1
[57] التَّوبة : 61
[58] سبأ : 24
[59] العَنْكبوت : 61
[60] الإسراء : 85
[61] الأنعام : 19
[62] "علم الدّلالة"، بيير كيرو، ترجمة د. منذر عياشي، دمشق، دار طلاس، 1988م ، ص:61-...، و "علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي"، منقور عبد الجليل، دمشق، منشورات اتّحاد كتّاب العرب، 2001م .
[63] يوسُف : 93
[64] يوسُف : 93
[65] الشورى : 53
[66] الأعراف : 88
[67] يوسف : 96
[68] البقرة : 35-36
[69] انظر : البَحْر المحيط، تح. عادل أحمد عبد الموجود و عليّ محمّد معوّض وآخَرين، (ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413/1993، 1416/1995) 1/314 .
[70] المصدر نفسُه
[71] المصدر نفسُه
[72] ضوابِط التّقديم و التأخير وحِفظ المراتب في النّحو العربي: المُقدِّمة، رشيد بلحبيب، ط1، الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب، وجدة، مطبعة النجاح الجديدة، 1998م .
[73] الإسراء: 31
[74] الأنعام : 151
[75] الإتقان : 2/308
[76] البرهان في علوم القرآن: 3/285
[77] التَفسير أبي السُّعود: 5/169
[78] البقرة : 195
[79] تفسير الطّبري: 2/321
[80] البقرة : 207
[81] البقرة : 193-195
[82] انظر التفصيل في : "البرهان في علوم القرآن" : 1/40-43
[83] البرهان: 1/40-43
[84] البقرة : 193-195
[85] اللبقرة : 245
[86] الأنعام : 151
[87] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الفضل محمد الألوسيبيروت، دار إحياء التراث العربي، 8/54
[88] البقرة : 179
[89] تفسير البيضاوي: 1/475، دار الفكر، بيروت، 1416-1996. إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 58
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى