البرهان الرياضي يقود إلى الإيمان

اذهب الى الأسفل

البرهان الرياضي يقود إلى الإيمان

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الجمعة 16 نوفمبر 2012, 16:39

أحمد الشقيري الديني
أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر ـ مادة الرياضيات ـ
الخميس 15 نونبر 2012



تطرح أسئلة من قبيل : هل العلوم الحقة، وعلى رأسها علم الرياضيات، تقود للإلحاد وإنكار وجود الله صانع هذا الكون، أم العكس فهذه العلوم تقرّب من يسائلها إلى رحاب الإيمان؟

الرياضيات تمثل الحد الأدنى الذي تشترك العقول في الإذعان له

إذا كانت العلوم التجريبية كعلم الأحياء وعلم الكيمياء وعلم الجيولوجيا وعلوم الفيزياء، تقوم في شقّ منها على التجربة داخل المختبر، ثم استخراج القانون العام الذي يربط السبب بالمسبب بعد تكرار التجربة وملاحظة عدم تخلف النتيجة، ثم وضع الإطار الرياضي لهذا القانون والبرهنة عليه ليصبح قطعيا، فإن قواعد الرياضيات لا تحتاج إلى مختبرات لفحص مصداقيتها، بل هي تتعالى على التجربة، لأنها تعتمد على مسلمات (فطرية) تسمى "أكسيوم" ، مثل أن نقول " الكل أكبر من الجزء "، أو نقول " إذا كان العدد أ يساوي العدد ب، والعدد ب يساوي العدد ج، فإن العدد أ يساوي العدد ج ".

تتأسس النظريات الرياضية على هذه "المسلمات الفطرية" التي لا تحتاج لدليل خارجي للبرهنة عليها،ويأتي بعد ذلك ما يسمى بالبرهان الرياضي الذي يقوم على قواعد منطقية وقوانين قطعية بنيت على مثلها، في تسلسل منطقي صارم لا اختلاف حوله، إلى أن نصل إلى الاعتماد على تلك "المسلمات الفطرية" أو "الضروريات العقلية" من أجل استخراج النتائج المرجوة.

هذا المنهج الرياضي الصارم، تذعن له العقول، على اختلاف مشاربها، فهو الحد الأدنى المشترك بين عقول بني آدم، مؤمنهم وكافرهم، ولولا هذا الحد الأدنى المشترك بين العقول لما استفاد الناس من القوانين المبثوثة في الكون، ولما استخرجوا تلك النواميس التي ذللت لهم الطبيعة، وجعلتها في خدمة أغراضهم، تسخيرا من رب العالمين القائل في محكم التنزيل : ( هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) ( أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون، وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها ياكلون ) (وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ( وسخر لكم الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره،إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). فجزء من هذا التسخير الإلهي مرتبط بمفاتيح يكشف عنها العلم التجريبي القائم في صدقيته على القوانين الرياضية، القائمة بدورها على تلك "المسلمات الفطرية".

المحيط الفلسفي الذي تطورت فيه هذه العلوم يرفض الدين

إن نشوء هذه العلوم في محيط الفلسفة الغربية المادية المنكرة لخالق الكون، لا يجعلها بالضرورة تقود إلى الإلحاد، بدليل أن العديد من فلاسفة الغرب الذين عرفوا بامتلاكهم ناصية هذه العلوم، قادهم تفكيرهم المبني على المنهج الرياضي إلى الإيمان بالله خالقا مدبرا للكون، ولعل أبرز هؤلاء النماذج المتنورة فيلسوف العقلانية الفرنسي، عالم الرياضيات الكبير "ديكارت"، الذي أسس منهجا عقليا يقود لحتمية الإيمان بوجود خالق لهذا الكون.

إن غياب المسلمين عن المساهمة في بناء الحضارة المادية القائمة على ربط الأسباب بمسبباتها منذ بداية هذا البناء، هو الذي جعل فريقا من المفتونين بنتائجها، المنبهرين بمنتوجاتها الصناعية،من بني جلدتنا، يصوغون أفكارا إلحادية، ملتبسة في معظمها،لا تصمد أمام النقد العلمي، للاستدلال على إلحادهم بمعطيات تلك الحضارة، التي يعرف الخاص والعام، أنها لم تتطور ذلك التطور الهائل إلا بعد انفصال العلم عن الكنيسة التي حرفت الكتب المقدسة وملأتها بالخرافات التي يرفضها العلم، فانهزمت شر هزيمة أمام صولة هذا الأخير، فنشأت هذه العلوم في سياق خصام تاريخي بين رجال الدين من جهة، ورجال العلم وفلاسفة الفكر المتنور من جهة ثانية، هذا الفكر الذي كان من جملة أسسه التي يقوم عليها إنكار الغيبيات، لأنها لا تخضع بزعمه للفحص العلمي الذي اكتشفه الإنسان الغربي في سياق ذلك الانفصام النكد.

تسرب هذا الصراع بين الدين والعلم إلى الثقافة العربية الحديثة مع بروز النهضويين الليبراليين العرب في مطلع القرن الماضي، وكانوا في معظمهم مسيحيين، أمثال يعقوب صروف وشبلي شميل وفرح أنطوان، فتبنى هؤلاء الدعوة للنموذج الأوروبي، باعتباره المثال الحضاري للنهضة المنشودة، من دون فرز بين العلوم الإنسانية والعلوم الرياضية.

في كتابه 'مقالات ممنوعة' يتحدث سلامة موسى عن تعريف النهضة بأنها " تعني تحرير الشخصية البشرية من التقاليد والغيبيات، وإقبال على العلم التجريبي، وفصل الدين عن الدولة،ودعوة الإنسان كي يأخذ مصيره في يده، ويتسلط على القدر بدلا من أن يخضع للقدر، وانتزاع الخير من الطبيعة وإخضاعها، وليس الانتظار كي تسدي له الطبيعة فضلها وبرها".

ويقول فرح أنطوان :" العلم يجب أن يوضع في دائرة العقل، لأن قواعده مبنية على التجربة والمشاهدة والامتحان؛ وأما الدين فيجب أن يوضع في دائرة القلب، لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد في الكتب من غير فحص في أصولها".

هذه المقولة لفرح أنطوان تلخص المأزق الذي وقع فيه النهضويون الليبراليون العرب، وهم يسوّقون للنموذج الغربي باعتباره الإطار الوحيد للخروج من أزمة التخلف، وتدشين دخول مشرف للأمة إلى العصر، بعد غياب طال ليله.

فالمقدمة الأولى لهذه المقولة عند فرح أنطوان مسلمة لا شية فيها، إذ قواعد العلم مبنية فعلا على التجربة والمشاهدة والامتحان، لكن المقدمة الثانية فاسدة، على الأقل من المنظور الإسلامي، فقواعد الدين غير مبنية على التسليم من غير فحص في أصولها كما يزعم أنطوان ومن اقتفى أثره، ومعظم علماء المسلمين يرفضون التقليد في أصول الإيمان، ولا يقيمون وزنا لإيمان المقلد، وأشدهم في ذلك الإمام ابن حزم الذي ربما أخرج المقلد في أصول الإيمان من دائرة الإسلام.

وإذا كان الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فإنه أيضا يزيد بالدلائل العقلية والبراهين العلمية، وينقص بتقليد الآباء ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، والتسليم البليد لما في الكتب دون افتحاص (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)، فهذا الدين يقوم على قاعدة: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).

ولعل مما حفظه لنا تراثنا بهذا الصدد، مقولة الإمام أبي حامد الغزالي : " العقل يثبت النبوة، ثم يسلم للنبي "، وهذا كلام قوي سديد، فالفحص في صدق النبي مرده إلى العقل، من أجل التمييز بين الصادق من الكاذب من مدعي النبوة، الفحص في أقواله وفي أخلاقه والمعجزات التي جرت على يده، وبحث محيطه وما نقله عنه أصحابه وأعداؤه، والأثر الذي تركه، والقيم التي دعا لها، والكتاب الذي جاء به: هل خضع للتحريف أم لا؟ والمضامين التي جاء بها هذا الكتاب، هل هي موافقة للفطرة السليمة، غير متناقضة مع معطيات العلم القطعية ؟ العلم القائم على التجربة والمشاهدة، أو على تلك المسلمات الفطرية التي يقوم عليها علم الرياضيات، لا العلوم الإنسانية التي تقوم على نظريات غير قطعية،بل غالبا ما تكون متأثرة بالبيئة الثقافية التي نشأت فيها. ثم بعد ذلك يسلم العقل للنبي في أمور الآخرة والعبادات، التي أصبحت بعد هذا الفحص العقلي الدقيق، مبنية على أساس متين لا يتزحزح .

البرهان الرياضي يقود للإيمان

هذا البرهان موجود في القرآن والسنّة، فالبرهان بالخلف، على سبيل المثال، منهج رياضي معروف معمول به، استعمله القرآن في نفي الشركاء عن الله، فقال سبحانه : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقال جل وعزّ : (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون)، فهذا هو "الدليل بالخلف" : نفترض عكس النتيجة المراد بلوغها، فنصل إلى ما يناقض العقل والبرهان، فنقر أن عكس المقدمة المفترضة هو الحق (Raisonnement par absurde)
وفي حدود علمنا، فإن أول من استعمل هذا المنهج الرياضي لفحص صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، هرقل عظيم الروم، لما دعا أبا سفيان، وكان مازال على كفره، فسأله هرقل عدة أسئلة عن هذا الذي خرج يزعم أنه نبي، فلما انتهى من تلك الأسئلة أخذ يستعمل "دليل الخلف" الرياضي بشكل واضح ليثبت صدق هذا النبي، فقال هرقل للترجمان كما أورد الإمام البخاري في صحيحه :

قل له: "سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا ، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين.."

إن عظيم الروم طبق منهج رياضي معروف يسمى "الدليل بالخلف"، سواء عرفه أم لم يعرفه، لكنه أوصله إلى بر الأمان، وهو الجزم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه، وأنه الذي بشرت به الأنبياء قبله. فكأن هرقل قال لأبي سفيان: لو لم يكن محمد نبيا، للزم أنه يكذب على الله، ولو استحل الكذب على الله للزم أن يكذب على الناس من باب أولى في حياته العادية معهم، لكنك أخبرتني أنكم لم تجربوا عليه كذبا قط (بل كانوا يلقبونه بالأمين)، إذن سقطت الفرضية الأولى، وثبت عكسها، أي أن محمدا نبي صادق في كل ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به قضايا الآخرة التي تحار فيها العقول دون أن تنفيها أو تثبتها.

ثم إن التمرس بعلوم الرياضيات القائمة على التجريد وافتراض عوالم ذهنية غير محسوسة، لكنها تقود إلى نتائج لها تطبيقات في الواقع الملموس، تجعل المشتغل بها أقرب إلى الإيمان بصفات الله وأسمائه، التي لا يدرك العقل فضلا عن الحواس كنهها، لكن يدرك آثارها في الخلق.

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 58
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى