أين الخلل في منظومتنا التعليمية؟ وجهات نظر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أين الخلل في منظومتنا التعليمية؟ وجهات نظر

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الأحد 18 نوفمبر 2012, 04:54

كيف نُعيد الروح إلى المدرسة المغربية..؟
محمد بودويك
السبت 17 نونبر 2012 - 00:35

لا يمكن تحقيق مخرج لأزمة التعليم إلا بتأزيم المقاربات، والوسائل التي استعملت، واستخدمت حتى الآن، وأبانت عن انحباسها، وإفلاسها.

فالعدة متوافرة، والوسائل الموصلة إلى تحقيق ذلك كذلك، والأهداف بينة، ومرسومة، تنتظر من يسعى إليها، ويخطو نحوها من دون دوران، ولا تلكؤ، ولا التفاف. كما أن الأفكار مطروحة في الطريق "كالمعاني" بتعبير الجاحظ، لا يسعها إلا أن تَلْتَمَّ، وَتَنْسَلِكَ في خيط رأي، وطرح، وموقف وإرادة مدعومة بالقابلية والواقعية، والإجرائية.

وبيان ذلك أن الكل يعرف أن الجودة في التعليم الحكومي أي المدرسة العمومية أو التعليم العام، لم تتحقق أبدا، على رغم "الإنشاء" الخطابي، والتجمع الكلامي، والحديث الحواري، و"التنطع" التلفزي، و"الحكمة" المباغتة في المنتديات التعليمية، والمجالس الإدارية للأكاديميات، التي دأب الوزراء على اختلاف ألوانهم وأحزابهم، ومشاربهم، وخلفياتهم، الذين تعاقبوا على حمل وِزْرِ هذه الحقيبة، على تطييبه، وتطويبه، وافترائه، واقترافه من دون أن ترمش أعينهم لحظة، فكأن الكلام الملقى على عواهنه، الكلام غير المسؤول من مسؤول، ذريعة إلى انتفاخ الأوداج، ورفع العقيرة بالصياح، وخبط الطاولة بقبضة اليد الوقحة، إمعانا في تغطية "الفخ" والبهتان المبين، وصرف العيون المشدودة حتى لا تقبض على الكذب متلبسا بالتنصل من الحقيقة، وراكضا في الريح بعد أن غافل الجميع !

كذلك لم تتحقق –أبدا- على أرض الواقع- مدرسة النجاح، وإن تحققت على مستوى الخطابة والأوراق، ولم يستتب ويتبلور بالملوس، ما أسماه الوزراء الأوصياء، بالسلوك المدني، والمواطنة المسؤولة.

استمر الكلام طيلة عقود، وعبر وزارات، وسياسات حزبية دبرت حكوميا الشأن العام بالبلاد، استمر عائما، مُعَوَّما، سائبا، وطافيا على السطح، يصف ما ليس حقيقيا ولا مرئيا ولا متحققا، ويرفع ما لا يتحرك أبدا، ويشيد ما هو محطوم أصلا، ويقدم التقارير تلو التقارير مبرقشة بالأرقام والإحصاءات والمعطيات، والمبيانات والمنخيات والمنحدرات، والمرتفعات المرسومة هندسيا على الأوراق المحولة الكترونيا على الشاشات، بالألوان الزاهية المختلفة التي تخطف الأبصار، ولا تسمن من جوع.

تقارير تتلاعب بالأرقام والنسب و الحساب والأعداد، فيما هي –من دون وعي أو به- في أ حسن الأحوال، تتلاعب بأقدار بلد يبحث عن مخرج من الضائقة، ويسعى إلى أن يضع قدما على أرض صلبة لا رخوة، وتتلاعب بمصائر شعب، ومستقبل جيل. ذلك أن الأرقام المنطوقة والمصورة والمعروضة على أنظارنا عبر شاشات طويلة –عريضة، خرجت من المكاتب المكيفة، أو العطنة الرطبة في النيابات والأكاديميات. ولم تخرج من الميدان في الغالب الأعم.

ما يعني أن المبرمج بعد سنتين أو ثلاث على مستوى البنايات المدرسية، أو الداخليات والمطاعم المدرسية، والمدارس الجماعاتية، مثلا، يدرج في النسبة المعروضة العامة على أساس المنجز والمتحقق الراهن، وهكذا. والنتيجة ما نراه: تَنْسَلِخُ السنون، والسياسات التربوية التعليمية التي رَاهَنَّا فيها على نهضتنا التعليمية، لنخرج من المراوحة، والدوخة، واهتزاز وتلاطم المستجدات والمرجعيات (من الميثاق الوطني إلى البرنامج الاستعجالي)، هي هي، والحال هو الحال، والوضعية هي الوضعية، بل ازدادت سوءا وكارثية باعتبار تزايد أعداد المتمدرسين، وتناقص، واهتراء البنيات المستقبلة القديمة أو هجرانها في انسحاب طوعي أو إرغامي لعوامل ذاتية وموضوعية، من المدارس والمؤسسات التربوية، في ما يسمى بالهدر المدرسي، ومغادرة فضاءات الدرس والتحصيل إلى البؤس والتخلف، وجر البلاد إلى النكوص والعبوس، والإنكفاء والتأخر الفادح في سلم الترتيب، والامتحان حيال، وقياسا ببلدان قفزت إلى الأمام من حيث لم نحتسب، أو من حيث إسهامنا في هذا التأخر من منطلق لَيِّ عنق الحقيقة، وتزيين أرقام ومعطيات إحصائية ما أنزل الله بها من سلطان، بل وتكذبها الوقائع والحقائق في المجال المعاين، والميدان.

رددنا طويلا حتى بُحَّ صوتنا بأن آفة الآفات في بلادنا، والتي تعترض كل تنمية مبتغاة، وكل تقدم منشود، هي آفة الأمية.

وقلنا إن المدخل لتطويقها، وتقليصها، يكمن، بالدرجة الأولى، في النهوض بالتعليم الأَوَّلي الذي هو من مسؤولية الدولة بالأساس أحب من أحب، وكره من كره. وبعدها، يأتي دور الجماعات المحلية بما هي مؤسسات عمومية دستورية، تقوم بتدبير الشأن المحلي اقتصاديا، واجتماعيا، وتعليميا، و بيئيا كما يعرف الجميع. ولا ننسى القطاع الخاص، والتعليم المؤدى عنه في هذا المستوى الذي ينبغي أن توضع بين يديه خارطة طريق تدله على الوعاء العقاري حيث يوجه استثمارته بالمحيط المديني شبه القروي، وبالعالم القروي، مع دعمه، وتقوية حضوره من خلال إقرار تسهيلات منصوص عليها في الاتفاقية –الإطار العام 2007، والتي لم تُفَعَّلْ في غالبية بنودها لاعتبار شد الحبل بين الحكومة، وممثلي القطاع الخاص المدرسي، الاعتبار –إذًا- ينبغي أن يُولَّى لهذه المرحلة ما قبل المدرسية، وهي المرحلة الحاسمة في حياة الطفل –التلميذ مستقبلا، والحاسمة في قطع دابر الأمية.

والعارفون التربويون، وعلماء النفس أعرف بإشارتي هذه. علما أن تعليم الكبار، والاهتمام بالتربية غير النظامية، أولويتان إذا شِيءَ أن نتحدث عن مجتمع منتم إلى زمنه.

أما العناية بالبناء والإحداث، و تأهيل المنجز، وتحصين المكتسب، وحماية المتحقق، وتجهيز المؤسسات التعليمية بالعتاد المكتبي، والعدة البيداغوجية المطلوبة، والتوسيط التكنولوجي، فضرورة قصوى وملحة، كدت أقول.. ضرورة أنطولوجية وتنموية وحاسمة لتمجيد البلاد. ثم لا مناص من الكشف عن عمل الأكاديميات البرمجي، ومخططها الجهوي، بكل شفافية مع المساءلة والمحاسبة في حال التقصير، والتَّبْطِيء، والمراوحة، وتضارب وتناقض المعطيات المسجلة مع الواقع الحي الفاضح.

لا جودة مع ضعف البنيات التربوية، وتدهور بنيات الاستقبال. كل ضعف ونقص، وتدهور، يفضي إلى الإكتظاظ والزحام، ولا يختلف إثنان في أن مقتل المنظومة في استمرار، واستشراء الإكتظاظ والزحام في الصفوف المدرسية والفصول، وقلة الحجرات والأقسام. ما يسمح بالقول بأن الكلام الذي "مُطْرِقْنا" به –طويلا- عن نجاح التربية، ونجاح العملية التعليمية – التعلمية بفضل البيداغوجيات المجلوبة والمتعاقبة، كان كلاما سائبا ولا مسؤولا، فَوَّتَ على المنظومة سنين عددا، في أن تَلتفت إلى ركائزها، وأسانيدها، وآلياتها، وأعماها عما ينبغي لها أن تقوم به من أجل الإنخراط في العصر، وتحقيق التنمية المنشودة التي هي من صنع وصنيع الإنسان المتعلم –المثقف- المفكر- المهندس- الطبيب – المحامي- القاضي- الأستاذ- المقاول- العامل الماهر- الصيدلي- الضابط العسكري- الدركي – الشرطي- الصانع الحاذق.. إلخ.

فإذا أصبحنا –اليوم- نتحدث عن مناضل "القرب"، فالأجدر أن نتحدث عن مسؤولي القرب التربويين، عن إدارة "القرب" الفعلية اليقظة المتتبعة الساهرة المؤرقة حيث النزول يَتْرَى إلى الميدان، والإنصات إلى كل المعلمين والمتعلمين، والآباء، وتتبع أوراش البناء في عين المكان، والإطلاع عن كثب على سير العمليات التربوية، والأيام الدراسية التكوينية، وسير الداخليات، ونوعية وَجْبَاتِها ومَوَاعينها، متى ما استوجبت الحاجة هذا الخروج، والحاجة –كما نعلم- حاضرة وملحاحة في مجال التربية والتكوين، في مجال التعليم تحديدا.

من جهة أخرى، لنشجع الفكر والأدب والفنون بمدارسنا وبالجامعات.

ضَمُرَ وجود شعب لا خَيَال له، وذَبُلَ. وتهافت التواصل اللغوي والثقافي الذي هو ذريعتنا إلى تكريس شخصيتنا الوطنية، ومقوماتنا الحضارية، وهويتنا الثقافية الثرية، وجسرنا إلى مجتمع المعرفة، وانفتاحنا على البلدان والشعوب والثقافات.

فلو لم يكن للأدب دور –كما يهذي البعض- ما اجتهدت مراكز عالمية، ودول صناعية وتكنولوجية متقدمة في تتويج الفكر الإنساني، والأدب شعرا وسردا ودراما من خلال إقامة صالونات ومعارض مبهرة، ومن خلال وضع جائزة "نوبل" رهن إشارة الخيال والإبداع والعلم، وهي أرقى وأرفع الجوائز ماديا ومعنويا ورمزيا.

بالإضافة إلى جوائز أخرى لها صيت عالمي كجائزة سرفانتيس، وبوليتزر- وكونكور- ويوكر- وجائزة الأكاديمية الفرنسية للأدب، وجوائز ترصد لمهرجانات التنافس الموسيقي العالمية وغيرها.

فالأديب كالحقوقي، كالطبيب، كالفيزيائي، كعالم الاقتصاد في شرع "نوبل". كل هؤلاء مِدْمَاكُ، وحجر الزاوية في بناء سؤدد الأمة والمجتمع وجوديا وحضاريا وثقافيا.

بلاد كالمغرب لايعيا مسؤولوها من مديح الهندسة وتمجيد العلوم البحتة ليل –نهار، والتباكي على فقر المغرب في هذا المضمار، وتبخيس قيمة المعارف الأخرى من آداب وعلوم إنسانية، هي بلاد منتكسة، عشواء، صَمّاء، متحجرة لا أفق لها، ولا رابط يربطها بالروح في سموها وعلوها. أما هذا الأفق، أما هذه الروح، فلا يحققها، ولا يبشر بها، وينشرها سوى الفكر والفن والأدب والموسيقا.

لا جدوى من الهندسة وحدها إذا لم تكن اشتراطات المناخ المواتي، والمزاج الثقافي المتوفر اليقظ، والبنية الذهنية المتوقدة، البنية الإسفنجية التي تمتص، وتستوعب، وتلفظ القشور والزؤان و الحالول، بعد أن تُبْقِي اللب، والجوهر، والنُّهَى والحِجَا.

لا فائدة من العلوم والآداب والفنون والموسيقا، في بلاد يمتص قُرَّادُ الأمية دَمَها، ويشرب خفاش التطرف والتواكل والاستنامة ضَرْعَها.

ختـاما، أثير الانتباه إلى لغة تعليم الرياضيات والفيزياء، وعلوم الحياة والأرض. آنَ أَنْ نفكر جديا في تقديمها، وتدريسها باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، ارتباطا ووصلا منطقيا سلسا بالتعليم العالي. لنكن شجعانا، ولنقطع مع عقود التردد والشك، وإرضاء بعض الأطراف السياسية والدينية المتمسكة بـ "قداسة" اللغة العربية. وكان حزب الاستقلال هو من اقترف جريرة تعريب المواد العلمية، بينما أبناؤه، أبناء الذوات، وسليلو البرجوازية "الوطنية" استمروا- إلى يومنا هذا- يتحصلون العلوم باللغة الأجنبية وطنيا بمدارس البعثات، ودوليا بعد نَيْلهم الباكالوريا الفرنسية في الغالب.

لنواجه –إذًا- مشكل تدريس المواد والمساقات العلمية بكل شجاعة، ومسؤولية تاريخية، وإلا وجب علينا، تعريب العلوم في كل أطوار الدراسة بدءا من المستوى الأدنى، وصولا إلى المستوى الأعلى، وفي ذلك ما فيه من انغلاقية، وانكماش، وابتعاد عن العصر، واشتراطات التقدم، والإنفتاح على الكون.

كما يتوجب ربط التعليم في جميع مراحله، وخصوصا المراحل الوسطى والعليا، بالعلوم والمعارف والآداب الإنسانية، والثقافة المغربية "العالمة و"الشعبية". إذ من شأن هذا الربط أن يُوجِدَ لنا ويهيئ تلميذا وطالبا منخرطا في العصر، وتعليما ملبيا لحاجات مجتمع المعرفة، ومطالب السوق، ونداء الغدية والمستقبل.

المصدر : http://hespress.com/writers/66444.html

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 57
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

سؤال التربية والتعليم

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الأحد 18 نوفمبر 2012, 05:13

محمد بودويك
الجمعة 06 يناير 2012 - 00:30


إنه سؤال الأسئلة، ومسألة المسائل، وقضية القضايا، لأنه –ببساطة- أسُّ الحُضور في الكون، والوجود، والانْوجاد في الأحْياز والأزمنة، سؤال يَرْهن حاضر ومستقبل شعب وأمة، ويشرطها إلى الظهور أو الضمور، يولجها بوابة الإنتماء إلى العصر، ونبض التحولات والإبدالات الكونية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، أو يخرجها صفر اليدين، فلاهي في العير، ولا في النفير.إذ لا تنمية مع التخلف، ومع الأمية، ومع الفقر، ومع التقليدانية الضاربة في الخرافة، والاحتماء بأمجاد الماضي الغابرة، والتعلق بأسْتار الموتى البالية.

إن التنمية عملية تربوية ثقافية حضارية تقنية شاملة. وهذه البديهة لا تحدث بمعجزة، ولا تتحقق بالمصادفة والطَّفْرَة الفجائية، وإنما ببذل الجهد الجهيد، والمثابرة الحثيثة في التربية والتعليم والمعرفة والثقافة من خلال بناء، وإنشاء الإنسان رهان الغد المحلوم به، إذ تقع النهضة بهذا الإنسان ذي التربية والثقافة والعلم، والقيم الكونية التي تنصهر ضِمْنَها كل الثقافات. وليس هناك من سبيل إلى النهوض التربوي التعليمي العام، والإنخراط في العصر والحداثة إلا بإحلال العنصر البشري المحل القمين بآدميته، وخدمته الخدمة العمومية الجُلَّى بالمتوافر من الثروة الوطنية التي هي ميراث وطني مشترك عام، وتوصيلها إلى المعدمين من بني جلدتنا، وإلى أنأى مدشر في بلادنا بعد شق الطرق، وتيسير سبل الوصول والإيصال : إيصال الضرورات الحياتية المعاشية التي لا معدى عنها من ماء وكهرباء ومشفى، ومدرسة، ووسائل نقل.

سؤال التربية والتعليم، سؤال خفيف في اللسان، ثقيل في الميزان، لأن نجاعة الدول والمجتمعات، تتأتى –حتما- من انتشاره في ربوع البلاد، وتعميمه على كافة أبناء وبنات البلد من الطفولة المبكرة (التربية التمهيدية) إلى شرخ الشباب، وميعة الصبا والرشاد (مرحلة الجامعة، والمعاهد العليا)، على أن تكون الحصائل مثمرة وناجزة، ومبلغة سوق الشغل، والانخراط في مدار العمل، والدورة الاقتصادية لكي تتحقق التنمية الشاملة بما يعني الحق في المتاع والانتفاع والرفاه.

كل بلدان المعمور عرفت –بهذا القدر أو ذاك- عثرات في الطريق : تلعثم في النظري، وتلعثم في التطبيق، وعرفت تفاوتات بمقدار، لكنها حسمت أمرها سريعا بإحقاق التكافؤ والعدل والمساواة في دثار من الحرية والديمقراطية، وضمان الحقوق من دون تفريط في الواجبات حتى أضحت التربية والتعليم جسرا إلى الوجاهة الاجتماعية. والوظائف السامية، والمكانة الاجتماعية اللائقة والمتألقة. وحين نتساءل عن سر نجاح هاته البلدان، فإن أول ما يرد على البال هو تصورها الاستراتيجي الموضوع لهذا الحقل الشائك، من لدن ثلة من العلماء والباحثين، والسوسيولوجيين، وعلماء نفس المعرفة، والسياسيين، والجمعيايتين، هذا التصور الذي ينهل من مرجعيات الهويات، والمكوّنات الثقافية المختلفة، وتشخيص واقع الحال من خلال دراسات ميدانية، واستبيانات، واستطلاعات، واستمزاجات للرأي طبقا لأدوات البحث الحديثة، والمقارنات والقياسات، كما يمتد هذا التصور المُحْكم والمؤَسَّس إلى عقدين أو أكثر حتى تينع ثمار المجهودات والحفريات لأن "التربية والتعليم من الصناعات الثقيلة البطيئة والمديدة التي قد لا تتحصل نتائجها في جيل واحد، حيث لابد أن تعطى الخطط التعليمية الزمن الكافي لتؤدي إلى عملية التحويل، ولابد -أيضا- أن تدرك طبيعتها النوعية التي لا ينفع معها الاستعجال، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى البتر والإرتكاس" (من تقديم كتاب: "النظم التعليمية الوافدة في افريقيا رقم 63).

ولئن كان الأمر على هذا المنوال في البلدان التي قطعت مع التعثرات، وأصبحت مثالا يُحْتذَى في المجهود التربوي والتعليمي، فإن حالنا موجع وأليم، إذ هو كل يوم في شأن. فالأزمة أزَمَّتْ وأزْمَنَتْ، والمجهودات أشتات، فلا أحد يأخذ بما تركه السابق تطويرا وتعديلا وتكميلا، ويجعل منه أمرًا سويا أو ما يفيد السِّوَى والجادة. بمعنى أن كل مسؤول مَحَّاء، وتلك عقابيل الارتجال والفردانية، وانتفاء الرؤية والوضوح، وعدم تصريف التصور التربوي في المجرى المنشود نحو الغاية المتوخاة من خلال الإبقاء على الثوابت التي وقع في شأنها الإجماع، أو –في الأقل- اسْتُحِسْنَتْ وَحَظِيَتْ بالتعديل والتجريح، والموافقة في آخر المطاف.

ثم إن التربية في بلادنا لم تكن تشكل –قبل الآن- هَمًّا مؤرقا، وأولوية تستوجب الإنهاض، وربح قصب السبق في معمعان التنمية بواسطتها –دعك من فورة حماس سنوات الاستقال الأولى- على رغم الانتفاض النقابي والحزبي ضمن محطات يعرفها الجميع بدءا من منتصف الستينيات، وانتهاء بأواخر الثمانينات من القرن الماضي. ففي حين كان أولو الأمر، وأصحاب القرار يتنكبون السبل القمينة إلى نشر التعليم، وإعلاء رايته مُعْتَبرِينَهُ صُدَاعًا، إضافيا، وبابا مفتوحة على التنطع والمناطحة من خلال المعرفة الموصلة إلى الوعي والخبرة.. ومن ثم اقتسام الثورة والوجاهة، والتسلق الاجتماعي، كانت الأحزاب الوطنية الديمقراطية تحديدا : (الاتحاد الاشتراكي، وبعض فصائل اليسار)، والنقابات المناضلة ذات السند والمد الجماهيري الهائلين، تراهن على التربية والتعليم كحق سام ومبدئي من حقوق أفراد الشعب، واضعين اليد على قيم ومباديء هي ما ينبغي أن يكون عليه النظام التربوي المغربي من أجل صنع المواطن الحر، المتعلم، العارف، الناهض، والجاهز لولوج العصر، والقطع مع الأمية والجهل والتخلف.

مناسبة هذا الاستطراد، أو هذا الاستعواد –إذا صح التعبير- هي وضعية التعليم والتربية المعطوبة، إذ هي ثمرة مُرَّة لريح الشد والجذب التي ذكرناها، والتي هزت الشجرة طويلا، فلم تدعها تستفيد من شعاع الشمس، وَفَيْء الظل. وهي حاصل التسويف والتلكؤ، والمحو أيضا. وهذا يقودنا إلى استذكار التقويم الهيكلي سَيّءٍ الذكر في العام 1982، الذي أوصى به صندوق النقد الدولي ضدا على الرغائب الاجتماعية في التمدرس، والتعميم والمجانية، وتحسين وضعية نساء ورجال التعليم المادية والمعنوية.

ولأن الحديث ذو شجون، والمقام يَنْكَأُ الجراح، فإننا سنقفز على عقدين من الزمن راوح فيهما التعليم مكانهُ ومَدَارَهُ كَمِنْ فقد الاتجاه، والبوصلة حيث طغى جَزْرُ المواقف على مدها، وطما السلبي على الإيجابي إذ مورست عليه صنوف وضروب من التجريب والتخريب، والتعريب، لنصل إلى العام 2000. ففي هذه السنة (وُهِبَ المغاربة ميثاقا وطنيا للتربية والتكوين، وبشروا بميلاد مغرب جديد في عام 2010، فيه يحققون الإصلاح التربوي، وفيه ينجزون المدرسة الوطنية التي حلموا بها طوال خمسين سنة، وفيه يشهدون النهضة الثقافية والعلمية، وفيه يغاثون ويعصرون) [علي البرقوقي- مجلة روافد ثقافية –ع 17- 2010].

مرت عشر سنوات كأنها البرق الخُلَّبُ، وها نحن –إذًا- نَدْعُو وَنُدْعى إلى إصلاح الإصلاح، من خلال برنامج استعجالي طموح وواقعي يروم تدارك مافات، ويتغيا معانقة المواعيد التي أخطأتها الأدبيات والوعود البراقة، والحسابات الضيقة الغالطة والمغلوطة.

لكن السؤال الذي ينطرح للتو : إلى أي مدى تغلغل البرنامج الاستعجالي بمجالاته، وبمشاريعه، وخطاطاته، وتدابيره، وإجراءاته في النسيج المجتمعي، والسياسي، والمدني، والجمعياتي، وصولا إلى المؤسسات التعليمية المعنية في البدء والختام.

وهل هناك متابعة يومية حثيثة من لدن الشركاء الحقيقيين والافتراضيين، وعموم الشرائح المجتمعية، والنُّخَب الفاعلة، مثلما هو الشأن -مثلا- بإزاء الجهوية الموسعة (المتقدمة) التي دعا إليها جلالة الملك؟ وهل ثمة نقاش عمومي واسع محايث ومواكب لقضية البلاد الثانية التي هي التربية والتعليم؟

وإذا كان، فأين يقع، وما الفضاءات والأمكنة التي تحتضنه ما لم نَسْتَثْنِ مكاتب وقاعات الأكاديميات، ومكاتب النيابات ومركز الملتقيات بالوزارة؟

وأين الوسائط الإعلامية من كل هذا والمحطات التلفزيونية المغربية التي تذيع البرنامج بالصورة والتنشيط منهجيا وعلميا من دون ضجيج إعلامي مجاني، وتحشيد خطابي تجييشي، وافتئات على حقيقة الوضع الكارثي الذي تعرفه المنظومة التربوية باعتراف الوزارة الوصية بَلْهَ المجلس الأعلى للتعليم والذي هو مؤسسة دستورية؟

من المفترض أن الاستراتيجية المومأ إليها في مكان آخر من هذا المقال، والتي تشتغل كروح هادية للبرنامج الاستعجالي، تمنح للمجالات الأربع نفسا جديدا قوامه الدينامية الكامنة في تشخيص الوضعية العامة، ومحاولة تخطيها على مستوى إحكام ميكانيزمات ما يسمى ب "التنزيلات"، واعتماد المؤشرات الكفيلة بضمان أجرأتها بالشفافية المطلوبة، والوضُوح المبتغى، والإشراك المُتَغَيَّا.

لكن يبقى سؤال الأسئلة عالقا ومعلقا وهو : هل ستظل المدرسة، بما هي حامل رمزي لمشخصات الأصالة والمعاصرة، الماضي والحاضر، التراث والمستجد، وبما هي معيدة إنتاج حفنة من السلوكات، والقيم الزمكانية، هل ستظل هي، هي؟. ألسنا نعيش، وبالحَرِي، نُعاين انقلابا معرفيا، وهدما للأنساق والمساقات المتواضع عليها، وارتجاجا للأنماط، وزعزعة لسلم القيم بفعل مصادر متشابكة ومتداخلة تتأسس في مجملها على العقل والعقلانية، والبرجماتية، والنجاعة العلمية، والثورة التواصلية المعلوماتية، وبفعل وسائط تَتْرى في حقل تكنولوجيا الصورة، والرقمنة الكاسحة؟

إذًا، كيف السبيل إلى مجاراة ما يجري حولنا؟ ومسايرة ما يسير قُدُمًا إلى الأمام غير آبِهٍ، ولا ملتفت إلى الوراء؟ وكيف نساهم في تسطير جملة فعلية مفيدة تتركب من الفعل والفاعل والمفعول به، في كتاب الكون، وتقديم صورة زاهية عن ملمحنا، وانتسابنا إلى العصر وأسئلته؟ ذلك هو السؤال.

إن "الحديث عن مستقبل التربية، وإرساء أسس المواكبة والتطوير الضروريين لها، يجب أن يكون نابعا في جوهره من قراءة عميقة واعية للتحولات السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية التي جعلتنا نعاصر فترة من أهم الفترات خطورة. وتأثيرا، فترة تشهد تسارعا مذهلا للتاريخ، يكاد يصيب بدواره أعظم العقول حصافة ورجاحة، ويعبث بكل القيم التي طالما بشر بها القرن التاسع عشر".

فالمغرب –على عكس ما يحدث الآن وإن باحتشام- لم يُخْضِعُ المنظومة التربوية للنقاش التقليبي الحقيقي الذي يذهب تَوًّا وفورًا وبالوضوح الكافي إلى الكوابح والأدواء، كما أنه لم يضعها ضمن رهاناته، واستبصاراته، وتدابيره النابعة من حس وطني عال، ووعي بفداحة التأخر والتخلف، وقلب ملتاع يتآكل حسرة وكمدا على الحال المأساوي، بل أبقاها متروكة لبندول الظرفيات، والحسابات السياساوية، والتكنوقراطية المِلَفَّاتِية المُنْبَتَّة عن الجذر والجذع والأطراف، ومتروكة للمزاجية المعتكرة، والمحو عَقِبَ كل تشكيل حكومي، وغب كل استحقاق انتخابي مُفْتَرَى عليه !

داخل هذا اللبس والإلتباس الذي حَاط وَيَحُوطُ مسألة التربية والتعليم، هل بالإمكان التحدث عن تفكير السلط الوصية على القطاع، بالانتصار للمدرسة المغربية العمومية، مدرسة المغاربة طُرًّا كما لاَ يَعْيَا من الترديد، المتنادون بالغيرة المتأججة، على مصير فلذات أكبادنا، والمدارات القروية التي يصلها –بالكاد- رذاذ- لنقل : غبار هذه الأريحية الزائدة والمزايدة، بينما البُؤْسُ مُعَرَّشٌ، وسيد المداخل والمسالك إلى المغرب العميق، أي: إلى تلك القرى والمداشر الشتيتة المحشورة في خاصرة الوديان الناشفة أو الغاضبة، والسفوح الصلعاء، والجبال الباكية والمقفلة.

ومن ثمة، ينبغي أخذ الكتاب بقوة : كتاب التربية والتعليم، من لدن الفئة المؤمنة الملتاعة، النخب الوطنية الديمقراطية الحداثية المثقفة، والمسيسة بالمعنى النبيل لكلمة "سياسة"، والدفع باتجاه تحريك "وتزييت" عجلة هذه الأوراش الإصلاحية الكبيرة التي انخرطت فيها الدولة : أوراش البرنامج الاستعجالي الذي هو –بالأساس- برنامج استراتيجي- رغم الحيز الزمني القصير الذي يراهن عليه- استراتيجي بالنظر لكونه يغترف أساسياته، ومكوناته، ووسائل عمله، وآليات اشتغاله، وأهدافه، وغاياته، وفلسفته، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لكن وفق دينامية تدبيرية، ومصاحبة مالية متحكم في حالها ومآلها، أقساطها وتكاليفها، وأحجامها، وذلك في الأفق المنظور من حيث هي المداخل والمفاتيح لإقرار الإصلاح على الأرض، وهو الشيء المفتقد، والحلقة الفارغة التي كلست بنود الميثاق، وقيدتها منذ صفارة الإنطلاق.

نؤمن بأن البداية التي كان ينبغي أن تبدأ، بدأت بما يعني أن تشخيص واقع المنظومة التربوية، ووضع اليد على المُثَبِّطات،والعراقيل والإكراهات، والقول بمجانبة الطريق الموصلة إلى الأهداف المرسومة قبل الآن، كل ذلك، وغيره، مؤشر مسؤول وإرادي على الدخول الفعلي إلى وفي معركة إنجاح المنظومة التربوية التعليمية، والنهوض بها، والحسم، نهائيا، مع التردد، والتأجيل، والتفويت، والإنتظارية، والإنخراط الكلي في معمعان تنفيذ المشاريع المبرمجة، وأجرأة العمليات المسعفة لبلورتها، وتطبيقها على الأرض.

ودائما يُعَاوِدُ السؤال ملحاحية انْطِرَاحِه –آهٍ من السؤال !- : هل يكفي الاسْتِعْجَالُ دواء شافيا لأدواء المنظومة التربوية، والحال أن موعد المدرسة المغربية مَوْقُوتٌ وَوُلُوجَ العصر الرقمي من أوسع أبوابه؟ فهل نؤجل الموعد مرة أخرى ريثما ننفض اليد من إرساء البنيات وتأهيل الفضاءات، وتوسيع العرض التربوي، وتعميمه؟

كيف نقوم بالعملين معا، ووفق أية أجندة؟ وهل تغلغلت ثقافة التواصل والمعلوميات، والتقدم في نسيج المجتمع المغربي، أي بعبارة جامعة : هل تم ولوج مجتمع المعرفة الذي لا مندوحة عنه إذا أردنا أن يكون لنا موطيء قدم تحت الشمس. تلك بعض من الأسئلة المطروحة على بساط اليومي، وبرنامج العمل، والتي ستكون عناصر للتأمل في مقال قادم.

المصدر: http://hespress.com/writers/44834.html


عدل سابقا من قبل عبد الله ورد في الأحد 18 نوفمبر 2012, 05:17 عدل 1 مرات

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 57
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عودة الروح إلى المدرسة المغربية

مُساهمة من طرف عبد الله ورد في الأحد 18 نوفمبر 2012, 05:15

محمد بودويك
السبت 24 دجنبر 2011 - 23:33


بين الصدقية والشكية

-هل عادت الروح إلى المدرسة المغربية؟ هل فعلا عادت؟ وكيف عادت؟ ومتى؟ ومن نفخ فيها هاته الروح، روح التوثب، والإقناع، وولوج العصر التكنولوجي الماحق؟

-هل حدث ذلك في غفلة منا – نحن الجنود المجندة التي تباشر العملية والعمل آناء وأطراف الأوقات كلها؟

-أهناك إجراءات ملموسة، وعمليات محسوسة، وتدابير متخذة باعتمادات مرهونة ومدققة خاضعة للسؤال، والمساءلة والمحاسبة؟ وإذا كانت، فأين تتجسدن وتتشخصن؟


-هل يكفي أن نردد ونجتر مسألية التربية والتكوين كثاني الأسبقيات في سلم الاهتمام والوجدان الوطنيين بعد الصحراء المغربية؟ وماذا ينفع لوك الملْفُوظ إذا كان الملفوظ يابسا ومستهلكا ليس إلا؟ وماذا عن باقي القطاعات التي يجب أن تنخرط في النهوض بهذه الأولوية دعما ورفدا، وتشاركا، ما دام أن هذه الأولوية تمس –بشكل يومي- ومباشر- كل الشرائح المجتمعية، والقوى الحية بالبلاد، والمؤسسات العامة والخاصة؟

-أليس –من اللازم- أن نُعْنَى – أساسا- بالتعليم الأولي = التربية التمهيدية، أو التربية ما قبل المدرسية: (التسميات مختلفة، والدال واحد) علما أن إرساءه، وإنجاح نشره وتعميمه عَامِلان رئيسان في ضمان استمرارية التمدرس، ومواصلته، وقطع دابر الأمية؟

-فماذا حققنا فيه؟ أين منا وضعه، ووضعيته، وتعميمه من عدمه؟ والسقف الزمني الذي راهنا على بلوغه في 2004 ثم أرجأناه إلى 2015، هل هناك مؤشرات مشجعة على معانقة الموعد إياه، متى ما استنطقنا البرنامج الاستعجالي الذي سينتهي في غضون شهرين بعد أن حقق أهدافه؟ فهل حقق أهدافه، وبلور عملياته تنفيذا، وتطبيقا على أرض الواقع والمعاينة؟ تلك هي المسألة فيما يقول "عطيل"!

-وما مدى تعبئة الأسر، وأطياف المجتمع الأخرى، ومنسوب ومستوى انخراطها في عملية النهوض بالمنظومة؟ هل تساهم؟ وكيف؟

-ما طرق وسبل تدخلها ومشاركتها، وحضورها المادي والأدبي في الشأن المدرسي بخاصة، والشأن التربوي عموما؟

-وما الحيلة لتوريط الجماعات المحلية، بالمعنى الإيجابي لكلمة "التوريط"، في النهوض بالتعليم من خلال تخصيص اعتماد له ضمن ميزانية الجماعة العامة.

-وعن إشكالية تعبئة الموارد المالية؟ كيف يتم رصدها وتوزيعها على المناطق والجهات، وفق الحاجيات والتطلعات والطموحات الممكنة التحقق، والمتسمة بالمنطق والواقعية؟

بناء على أي خطاطة وتخطيط؟ وبناء على أي إسقاط؟ وما حظ القرى والدواوير والمداشر النائية المحشورة في الشعاب والأحراج والوديان غير السالكة، وفي خاصره الجبال الوعرة والمتمنعة؟

-وَلِمَ تراجعت ثقة المواطن، مطلق مواطن في المدرسة؟ ما أسباب ذلك؟ وهل هي موضوعية أم ذاتية مغرضة؟ أم صدى للإشاعات، وردود الأفعال من هاته الجهة أو تلك: من الوزارة الوصية، أم من الشركاء الاجتماعيين؟

ثم لماذا لم نندمج –اتكاء على منظومتنا التربوية التعليمية والتكوينية- في اقتصاد ومجتمع المعرفة؟ أَلِخُلُو المنظومة من مقومات الإبداع والتحليل والنقد، وحرية البحث والابتكار؟، أم لكبوتنا وتأخرنا في الارتقاء بتعليمنا إلى الجودة المتوخاة، الجودة التي تعني تأهيل الفضاءات المدرسية بما يجعلها ذات جاذبية وجمال بيئي وتربوي، والتي تعني –من جهة ثانية- وضع حد نهائي للاكتظاظ، وتحقيق العدل والمساواة بين القرى والمدن عبر توسيع وتحسين العرض والخدمة التربويين؟

ما العوائق؟ وما المثبطات والمطاب؟ وهل يَعْزُبُ عن البال، أن ربح معركة التنافسية الدولية، والاندماج الفاعل في الاقتصاد العالمي، وفي مجتمع المعرفة، وأن نجاعة التربية والتعليم، تأتي من تعبئة منظومة التربية والتكوين بمعية القطاعات الاقتصادية تحديدا، والقطاع المدرسي الخاص المؤهل ماليا واقتصاديا، والذي يحمل مشروعا تربويا علميا وبرجماتيا مدققا ومتصلا وفق أجندة مدروسة في زمكان محدد؟

وأن أحد المداخل إلى التنمية المستديمة، والانخراط في سؤال العصر العلمي والتكنولوجي والرقمي والإنساني : (نسبة إلى الإنسانيات)، يبدأ من الجامعة متى مااستجبنا لملحاحية البحث العلمي، ومتى ما رفعنا من حجم الإنفاق عليه؟

إن آفة الأمية التي تبلغ نسبة مئوية مخجلة وسط ساكنة بلادنا –وبخاصة في العالم القروي- تطرح علينا- وبحدة- سؤال الصدقية، وحياة ضمائرنا من موتها، والثقة في حاضرنا وغدنا؟ إذ كيف نسكت، ونَتَخطى هذه الآفة في مناولاتنا لملف التربية والتكوين؟ وكيف نسمح لأنفسنا بأن نتخطاها في برمجتنا لمشاريع إنمائية، وهي تُتْلِعُ الرأس بيننا، تساكننا، وتعايشنا من دون أن نشعر بمنقصة، أو مثلبة أخلاقية، ناسين أو متناسين أن الأمية مشخصنة، ومجسدنة في فئات عريضة من مواطنيا ومواطناتنا، تغل أعناقنا، وتثقل أرجلنا، وتنوء بكلكلها على رهانات التنمية ببلادنا؟ إذ –كما لاأعْيَا من الترديد- لا تنمية مع الأمية؟

-وهل تم وضع آليات ناجعة، ودفاتر تحملات تشاركية مع هذا الطرف أو ذاك، وهذه المؤسسة العمومية أو تلك، من أجل تزييت عجلة المدرسة المغربية التي علاها الصدأ؟

فقد أثبتت تجارب البلدان والأمم التي نجحت في إرساء قواعد تربوية التي بقدر ماهي مستلهمة، بقدر ما هي تأصيلية مؤصلة، محافظة على قيمها، مشرعة ومنشرحة على فتوحات الشعوب الفكرية والمعرفية والعلمية، ومنغرسة في تربتها هي، مُخَصَّبَة بِسَمَادِ البلاد، وضوء الاجتهاد الأهلي المحلي، وَنُسْغٌ التراث الحي؟، أثبتت الأهمية التشاركية، والفلسفة التعاقدية التي تثوي وراء الإبهارات التربوية المنجزة، والنجاحات المعتبرة للمؤسسات المدرسية بوصفها فضاءات للإنتاج وإعادة الإنتاج فيما يرى "بورديو"، بِتَضَافُرِ مجهود أكْثر من طرف على إطلاق ديناميتها، ودفعها إلى الصدارة، والطلائعية !

-وهل لابد من التذكير الممل بأن التكامل بين المخططات والبرامج التربوية الواقعية، وبين سائر المشروعات الحكومية، من شأنه أن يكفل الترابط الوثيق بين التربية والتكوين، وسوق الشغل؟

-وكيف ينجح إصلاح تربوي من دون مدرسين أكفاء، وتكوين مستمر، ومتجدد مؤطر من قِبَلِ مؤطرين أكفاء ذوي دراية بالميدان، وعلى اتصال وتواصل مستمرين بالجديد في مجال البيداغوجيا، والديداكتيك، ودراية –أيضا- بالعلوم والإنسانيات، و اللغة المؤطر بها؟ فكثيرا ما سمعنا متدربين ومتمرنين، يطرحون السؤال الحائر والدال: مَنْ يَكَوِّنُ مَنْ؟
وما لم يُحَفَّزْ رجال ونساء التعليم، ويُنْهَضُ حثيثا بمهنتهم، وبظروفهم وأوضاعهم، وبخاصة أولئك الذين، واللواتي يعملون بالأماكن النائية المنسية المقطوعة عن سبل وأسباب الحياة؟

لقد كان المجلس الأعلى للتعليم شجاعا عندما حدق مليا في مرآة الحقيقة من دون أن يعشى بصره، إذ وضع الأصبع على الداء المعشش تعليميا بيننا، والذي لم يكن يجرؤ أحد أن يشخصه علانية، وعلى رؤوس الأشهاد، وهو :الشك في جودة التدريس، وتعثر التعلمات ما يعني ضعف مستوى المتعلمين التواصلي، وضآلة وضحالة مَخْزُونهم ورصيدهم اللغوي، إن لم نقل بقلته القليلة، سواء أتعلق الأمر باللغة العربية، أم باللغات الحية المُدَرَّسَة؟ هذا، فضلا عن ضعف محسوس في المواد العلمية (الرياضيات نموذجا).

-أفلا يطرح علينا هذا المطب، وهذه النقيصة، البحث عن مكامن الداء، وبالتالي:

بناء تصور جديد للبرامج والمناهج المتبعة على أساس من تخطيها، وإبدالها، ومساءلة الجدوى من الأيام التكوينية التي تنظم لفائدة الأطر التعليمية؟ والمراقبة التربوية التي ينبغي أن تربط التأطير بالإبداع والبحث، وبإجرائية الدروس الصفية المعممة لفائدة أساتذة المادة الواحدة، وهكذا، تعقبها تقارير منجزة، تُتَداوَلُ بين المؤسسات، بالنقاش والإغناء، أو الاعتراض والتعديل؟ حتى يَسْتَتِبَّ، ويتكرس وَرْشٌ تربوي إجرائي يروم الإصلاح والبناء كأفق، وتنزيل المستجدة التربوية حيث المباشرة والمقاربة والتنفيذ؟

-وهل ننسى إصرار الوزارة الوصية على القطاع –منذ ما يزيد عن عقد من الزمن- على كيل المديح للعلوم البحتة: (رياضيات – فيزياء – تقنيات- طبيعيات..) على حساب العلوم الإنسانية، والآداب التي عمل السادة الوزراء المتعاقبون على القطاع على تبخيسها، والحط من قيمتها بإهمالها، واعتبارها فضلة، وتوجيه الضعاف من التلاميذ إليها، كأن الآداب عقاب !؟

وهذا التبخيس الرسمي للآداب والعلوم الإنسانية، موصول –إن نفعت الذكرى- بتنفير المتعلمين من الإقبال على قراءة الكتاب، والعزوف عن المطالعة، و التثقيف الذاتي.

ولعل في هذا، يكمن أحد أسباب الهبوط الإتقاني للكلام الأدبي، وعسر التواصل اللغوي واضطراب الكفاية التواصلية جملة و تفصيلا.

-ألسنا نعلم –الآن- أن العلوم الإنسانية، أصبحت مناط الدرس والتحصيل في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أوروبا، داخل جامعات متخصصة في العلوم الدقيقة؟ إذ صِيرَ بحكم منطق الأشياء وقوتها، وحتمية التحولات، وانتشار المعرفة عبر الكتب، وعبر "النيت"، إلى الاقتناع بأهمية المعرفة الإنسانية من آداب ولغويات وفكر، وفلسفة، للطالب والطالبة حتى يتسنى لهما أن يقرآ كتاب الوطن، وكتاب الكون، أن يقرآ واقعهما، ويتعاملا مع مجريات الوقائع والأحداث تعاملا واعيا، علائقيا، سائلان، ومتسائلان، ومسؤولان.

فالعلوم البحتة ما لم تنتعش بالجماليات، تظل صماء، بكماء، إذ أنها تتعامل مع المعطيات الواقعية، والأرقام والإحصاء، من خلال العقل الخالص، والتجريب المخبري، ومن ثم، فهي منزوعة النبض والروح.

هي ذي حزمة أفكار، وهي غَيْضٌ ليس إلا، صُغْنَاها في إهاب أسئلة، توخيا لزرع الحياة في المعطيات التقنوية الموات، ونشدانا لبذر القلق الإيجابي في حقل منظومة التربية والتكوين.

فهل عادت الروح إلى المدرسة المغربية؟ لا إخال إلا أن الجواب مستكن وَثَاوٍ في حزمة الأسئلة هذه؟

المصدر : http://hespress.com/writers/66444.html

_________________
avatar
عبد الله ورد
الكاتب العام ومدير المنتدى
الكاتب العام ومدير المنتدى

عدد الرسائل : 444
العمر : 57
العمل / الترفيه : أستاذ الثانوي التأهيلي
المؤسسة : ثانوية محمد الدرفوفي التأهيلية - أكادير
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

https://groups.google.com/group/alislamyat

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى